الگارح ابوسالم
يشهد العالم اليوم تحولات عميقة على مستوى السياسة والاقتصاد الدوليين، حيث لم تعد القوة تُقاس فقط بالحجم العسكري أو حجم الاقتصاد، بل بالقدرة على إدارة سلاسل الإمداد، وتأمين الممرات الحيوية، والتحكم في نقاط العبور التي تحدد حركة التجارة والطاقة. في هذا السياق، برز المغرب كفاعل متوسط الحجم نجح في استثمار موقعه الجغرافي وبراغماتيته السياسية ليصبح حلقة محورية في النظام الدولي المتغير، قادرًا على توظيف حدوده وموانئه وشراكاته لتعزيز دوره الاستراتيجي.
يقع المغرب عند نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا، وبين المتوسط والأطلسي، وهو موقع جعله منصة أساسية لإعادة توجيه التجارة البحرية العالمية، وتسهيل الربط بين الأسواق الأوروبية وعمق القارة الإفريقية. الموانئ المغربية مثل طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي لم تعد مرافق تجارية فحسب، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية تتيح للمغرب التحكم في تدفقات البضائع، وتأمين مصالحه الوطنية، وإعادة ترتيب أولويات الشركاء الأوروبيين. فالمغرب أصبح نقطة محورية في مسارات التجارة العابرة للقارة، مما يمنحه قدرة على التأثير في الأمن اللوجستي الأوروبي والإفريقي على حد سواء.
العلاقات المغربية مع أوروبا قائمة على اعتماد متبادل؛ فالرباط توفر الاستقرار، الأمن البحري، والبنية التحتية المتقدمة التي تعتمد عليها التجارة الأوروبية، بينما تتيح أوروبا فرصًا استثمارية وتقنية أساسية، خاصة في تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. هذا التوازن أعاد المغرب من موقع جار مراقَب إلى شريك مؤثر، له دور مباشر في تحديد أطر التدفق الاقتصادي بين الضفتين.
على المستوى الأمريكي، ترى واشنطن في المغرب فاعلًا إقليميًا مستقرًا، قادرًا على لعب دور الوسيط والضامن في قضايا متعددة تشمل الأمن البحري ومكافحة الإرهاب وحماية خطوط الملاحة. هذا التقارب لم يقتصر على الجانب الأمني، بل امتد إلى دعم مشاريع استراتيجية مرتبطة بالطاقة والاستثمار، ما منح المغرب هامش تحرك واسع ضمن شبكة التحالفات الدولية، من دون الانخراط في اصطدام مباشر مع أي قوة كبرى.
أما العلاقة مع دول الخليج، فتميزت بالاستقرار والاستثمار طويل الأمد، خصوصًا في البنية التحتية والطاقة والصناعة. هذه الشراكات الاقتصادية ليست مجرد تدفقات مالية، بل تعبير عن ثقة في القدرة المغربية على تحويل المشاريع إلى أدوات نفوذ اقتصادي واستراتيجي، وهي تعكس براغماتية الرباط في إدارة المصالح المشتركة من دون التورط في خلافات محورية، ما يوازن العلاقة بين المحيط الإقليمي والخليج.
وعلى المستوى الإفريقي، اتجه المغرب إلى تعزيز دوره كشريك حقيقي لدول الساحل وغرب إفريقيا، من خلال المشاريع الاقتصادية والربط البحري واللوجستي. فالمغرب يوفر لدول الساحل منافذ بحرية حيوية تتيح لها الوصول إلى الأسواق العالمية، ويخلق إطار اعتماد متبادل يضمن مصالح جميع الأطراف. هذا النهج يختلف عن منطق الهيمنة التقليدية، إذ يقوم على تحقيق مصالح مشتركة مستدامة، ويعزز مكانة المغرب كحلقة وصل استراتيجية داخل القارة.
تتلاقى كل هذه العلاقات في رؤية واحدة تقوم على الاستثمار الذكي للموقع الجغرافي، وتقوية القدرة الاقتصادية، وإدارة التحالفات الإقليمية والدولية ببراغماتية. المغرب لا يسعى إلى مواجهة أي طرف، بل إلى تعزيز موقعه كحلقة وصل موثوقة بين أوروبا وأفريقيا، وبين الأطلسي والخليج، وبين السياسة والاقتصاد، بما يتيح له التأثير في موازين القوى الدولية دون الانجرار إلى صدام مباشر.
في المحصلة، تثبت التجربة المغربية أن القدرة على التحكم في الممرات الحيوية، وتأمين سلاسل الإمداد، وبناء شبكة علاقات متعددة الأبعاد، هي الطريقة الأنجح لضمان الاستقرار والنفوذ في عالم يعاد تشكيله بسرعة. المغرب اليوم يبرهن أن الاستراتيجية الواقعية والمتعددة الشركاء، المدعومة بالقدرة على قراءة التحولات العالمية، تمكن دولة متوسطة الحجم من لعب دور فاعل وحاسم في السياسات الدولية والاقتصاد العالمي على حد سواء، محولًا جغرافيته إلى قوة، وبراغماتيته إلى تأثير مل

