حق الدفاع واستقلالية المحاماة: بين المصلحة العامة ووحدة المحامي

0

الكارح ابوسالم

في كل محطة نضالية تدخلها مهنة المحاماة دفاعًا عن استقلالها، يخرج علينا البعض بخطاب جاهز: “توقف المحامين يضر بالمتقاضين”. ظاهر الكلام يبدو إنسانيًا، لكنه في جوهره تحوير للتصور: إذ يحوّل الضحية إلى متهم، ويُغفل جوهر المعركة التي يخوضها المحامون من أجل الدفاع عن الحقوق نفسها التي يُفترض أن يحموها.

إن حق المحامي في الاحتجاج والدفاع عن استقلاليته ليس ترفًا مهنيًا، بل هو شرط أساسي لحق المتقاضي في العدالة. فالمتقاضي، الذي يُلزم غالبًا بالانتداب لمحام، لا يكسب شيئًا حين يُفرَغ الدفاع من معناه، أو حين تُفرض عليه شروط تُضعف من قدرة المحامي على الترافع. إن غياب الشروط الديمقراطية والإنسانية للتقاضي يجعل الأحكام فاقدة لمغزاها العميق، بعيدة عن الحق والعدالة، وهذا ما يوضح أن اتهام المحامين بأنهم “يعطلون القضايا” هو ادعاء لا يستقيم مع الواقع، إذ أن نضالهم لا يستهدف تعطيل المتقاضين، بل حماية حقهم في محاكمة عادلة.
الجانب المثير للتقدير والإعجاب في هذه المعركة هو وحدة المحامين عبر مختلف المدن، رغم اختلافاتهم المحلية. هذه الوحدة هي القوة الحقيقية التي تجعل مطالبهم جدية، وتفرض على صانعي القرار الإصغاء، وإعادة المطالب إلى طاولة النقاش والمقاربة. إن الالتزام بالاحتجاج المسؤول، المصحوب بالصبر والاصطبار، يُعد أداة ضغط فعّالة، قادرة على تحقيق الاستجابة للمطالب المشروعة، مهما طال تعنّت الحكومة، خصوصًا في ظل سياق سياسي واقتصادي يتأثر بأجندات خارجية من مؤسسات تمويل دولية، والتي قد تفرض على الدولة سياسات لا تعكس بالضرورة مصالح المحامين أو المتقاضين.
وإذا كان المتابعون يتساءلون عن تأثير الاحتجاج على مصالح الدولة أو على سير القضايا، فالحقيقة هي أن أي توقف نضالي مؤقت لا يساوي أبدًا فقدان الحق في محاكمة عادلة، ولا يساوي التفريط في ضمانات الدفاع. بل على العكس، قوة المحامين تكمن في إدراكهم أن الاستمرار في المطالبة بالحقوق، مهما كلفهم ذلك من جهد وصبر، هو السبيل الوحيد للحفاظ على استقلالية المهنة، وضمان العدالة الفعلية لكل متقاضٍ.

إن ما يعيشه المحامون اليوم، من احتجاج واحد على حقوقهم، يعيد إلى الأذهان ما تعيشه الصحافة الوطنية، التي تعاني من تشتت مصالحها أمام تعدد النقابات والتمثيليات، ما يضع مطالبها أمام تحديات أكبر في الوصول إلى إجماع. هنا، تتجلى قيمة الوحدة والتضامن المهني لدى المحامين، فهي من تجعل صوت الحق أقوى، ومطالب العدالة أكثر حضورًا على طاولة النقاش، وتذكّر أن الدفاع عن الحقوق المهنية هو دفاع عن الحق العام للمتقاضي.
وفي النهاية، لن يكون للنضال أي معنى إن لم يُصان استقلال المحاماة، ولأن العدالة لن تتحقق إلا إذا ما توفرت شروطها الحقيقية، فإن صمود المحامين اليوم في الدفاع عن حقوقهم هو صمود لصالح كل متقاضٍ، ولصالح العدالة نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.