رأي لا يهمكم : استحقاقات 2026 هل ستجرى الانتخابات ب”الويكلو ”

0

الگارح ابوسالم

قبل أن تنطلق الاستحقاقات الانتخابية رسميًا، وقبل أن تُنصب المنصات وتُرفع الشعارات، تكون أحزاب الأغلبية قد دخلت فعليًا مرحلة السباق، لا من باب التنافس على إقناع المواطنين، بل من باب البحث عن الحد الأدنى من الحظوظ التي تضمن لها البقاء داخل دائرة القرار. ما يجري اليوم لا يُشبه لحظة سياسية طبيعية، بل أقرب إلى محاولة جماعية لإعادة تسويق واقع حكومي مُثقل بالإخفاقات، واستغلال ما تبقى من الزمن السياسي والإداري لتحويل إعادة الانتخاب إلى أمر واقع، لا إلى اختيار حرّ.
توجد هذه الأحزاب في موقع السلطة، لكنها تتحرك بعقلية من يشعر بالتهديد. فالحصيلة الاجتماعية والاقتصادية ثقيلة، والغلاء أضحى معيشًا يوميًا، والضرائب تمددت، والخدمات العمومية فقدت الكثير من فعاليتها، بينما يتراكم الاحتقان في صمت. أمام هذا الواقع، لم تجد مكونات الأغلبية سوى اللجوء إلى خطاب تقني، مشبع بالأرقام والمؤشرات، منفصل في جوهره عن التجربة اليومية للمواطن، في محاولة لردم فجوة الثقة بدل الاعتراف بوجودها.
في هذا السياق، يبدو التجمع الوطني للأحرار الحلقة الأضعف رغم ما يملكه من نفوذ. خروج عزيز أخنوش من الواجهة لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان إقرارًا ضمنيًا بانتهاء دورة سياسية كاملة. الحزب الذي راهن على إدارة الدولة بمنطق المقاولة، وجد نفسه عاجزًا عن تحويل السلطة إلى شرعية، وعن تحويل الإمكانيات إلى قبول شعبي. لذلك يعوّل اليوم على ما راكمه داخل مؤسسات الدولة، لا على ما راكمه في الوعي الجماعي، وهو رهان محفوف بالمخاطر. أما معركة الخلافة، فقد كشفت هشاشة البناء الداخلي، حيث طُرح “مرشح فريد” كحل تقني، في رسالة واضحة مفادها أن الدور السياسي للحزب قد أُدّي، وأن من سيخلف الرئيس لن يغيّر في المعادلة شيئًا يُذكر.
على الجهة الأخرى، يحاول حزب الأصالة والمعاصرة استثمار ارتباك شريكه في الأغلبية لرفع سقف طموحه. عاد خطاب “الدور” و”النوبة” إلى الواجهة، وكأن قيادة الحكومة مسألة وقت لا غير. غير أن هذا الطموح لا يسنده رصيد سياسي أو اجتماعي متماسك. فالحزب، المثقل بتاريخ نشأته وبأزماته التنظيمية المتكررة، لم ينجح في تقديم نفسه كبديل حقيقي، لا من داخل الحكومة ولا من خارجها، ومع ذلك يواصل الحلم بالقيادة، دون إجابة واضحة عن سؤال الشرعية السياسية.
وسط هذا التنازع، يتحرك حزب الاستقلال بمنطق مختلف. لا يرفع سقف الخطاب، ولا يدخل في مواجهات مباشرة، لأنه يدرك أن لحظات الصراع بين الآخرين تفتح له نافذة للعودة. يعوّل الحزب على التناقضات داخل الأغلبية، وعلى إنهاك خصومه، للانسلال بهدوء نحو موقع الصدارة، مستفيدًا من خبرة طويلة في تدبير التحالفات، ومن قابلية دائمة للاشتغال مع من تفرزه موازين القوى، لا مع من تجمعه به الانسجامات.
أما الحركة الشعبية، فتعيش حالة تآكل صامت. هروب الأعيان مستمر، والحضور السياسي باهت، لكنها رغم ذلك لا تزال تنظر إلى الحكومة كقدر لا مفر منه. حتى وهي في المعارضة، لم تستطع أن تتحرر من منطق المشاركة، لأنها لم تبنِ يومًا هوية معارضة واضحة. لذلك تراهن على أي تقارب ظرفي يعيدها إلى السلطة، أكثر مما تراهن على استعادة ثقة اجتماعية فقدتها منذ زمن.
في المقابل، يقرأ حزب العدالة والتنمية المشهد من زاوية العقاب الانتخابي. يراهن على أن الغضب المتراكم سيتحول إلى تصويت ضد أحزاب الحكومة. غير أن هذا الرهان يظل محفوفًا بالمخاطر، لأن الغضب الاجتماعي لا يقود بالضرورة إلى الصناديق، وقد يتحول إلى عزوف واسع، وهو سيناريو لا يخدم أي حزب، بقدر ما يعمّق أزمة الثقة في السياسة ككل.
ما يزيد من تعقيد هذه الاستحقاقات أن أدواتها لم تعد تقليدية. فوسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الفاعل المركزي في صناعة الصورة والسردية، والراعي غير المعلن للحملات المقبلة. من يمتلك القدرة على التأثير الرقمي، وعلى توجيه النقاش العام، قد يعوّض ضعفه التنظيمي بضجيج افتراضي، ما يفتح الباب أمام مفاجآت لا تصنعها البرامج، بل تصنعها الخوارزميات.
في العمق، ما نعيشه ليس أزمة انتخابات، بل أزمة أحزاب فقدت قدرتها على إنتاج المعنى، وتحولت من أدوات للتغيير إلى آليات لإدارة الاستقرار. الجميع يستعد، الجميع يناور، لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن سيفوز، بل بما إذا كانت هذه الاستحقاقات قادرة أصلًا على إعادة وصل السياسة بالمجتمع، أم أنها لن تكون سوى محطة أخرى في مسار إعادة تدوير نفس الوجوه، بنفس الخطابات، في واقع لم يعد يحتمل المزيد من التجميل .
ما يُثير القلق حقًا ليس فقط سباق الأحزاب المحموم، بل أن تُجرى هذه الاستحقاقات في ظل عزوف مزدوج: عزوف عن التقييد في اللوائح الانتخابية، وعزوف أخطر عن الإقبال على صناديق الاقتراع. حينها لا تعود المشكلة في من يفوز، بل في عدد من يشارك أصلًا في منح الشرعية. الخشية أن تتحول الانتخابات إلى عملية تُدار في الفضاء الرقمي أكثر مما تُحسم في المكاتب، وأن يُصبح “الوي كلو” بديلاً غير معلن عن الساحة العمومية، تُصنع فيه الصور وتُروَّج السرديات، بينما يظل الصندوق فارغًا إلا من أقلية. عندها سنكون أمام انتخابات قانونية من حيث الشكل، لكنها ضعيفة سياسيًا من حيث المعنى، انتخابات لا تُقاس بحجم المشاركة الشعبية، بل بقدرة الحملات الرقمية على ملء الفراغ، وكأننا نُصوّت في الواقع، بينما تُدار الديمقراطية عن بُعد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.