الكارح ابوسالم
لم يعد ما يشهده العالم اليوم مجرد تقلبات دورية في الاقتصاد العالمي، بل هو تحول بنيوي عميق يطال موازين القوة، وآليات الإنتاج، وأنماط إدارة الصراع والنفوذ. التحولات الجارية تسير بخطوات متسارعة نحو عهد دولي جديد، تُعاد فيه صياغة القواعد، ويُعاد توزيع الأدوار، في ظل حضور أمريكي قوي في التأثير، لكنه متحوّل في الأسلوب والوسائل.
الولايات المتحدة، باعتبارها الفاعل المركزي في النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، لم تنسحب من المشهد، لكنها غيّرت طريقة إدارتها له. فواشنطن باتت تُفضّل إدارة الأزمات بدل حسمها، وتشتغل بمنطق البراغماتية القصوى، حيث تتقدّم المصلحة الاقتصادية والأمنية على حساب الالتزام الصارم بالمؤسسات متعددة الأطراف. هذا التحول ساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إضعاف منظومة الأمم المتحدة، التي وجدت نفسها أمام أزمات سياسية ومالية متراكمة.
في هذا السياق، جاء تحذير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ليكشف حجم الاختناق المالي الذي تعيشه المنظمة. فقد أرجع هذا الوضع إلى تراكم المتأخرات المالية على عدد من الدول الأعضاء، إضافة إلى آليات داخل النظام المالي للأمم المتحدة تُلزم بإرجاع الأموال غير المصروفة، ما عمّق الأزمة وأفقد المنظمة قدرتها على التخطيط طويل الأمد. وفي رسالة رسمية إلى الدول الأعضاء، أكد غوتيريش أن الأزمة تتفاقم بوتيرة مقلقة، وتهدد بشكل مباشر البرامج الإنسانية، ومشاريع التنمية، وعمليات حفظ السلام، بل وتضع المنظمة أمام خطر انهيار مالي وشيك.
غير أن الأزمة لا تتوقف عند الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى شلل سياسي واضح داخل مجلس الأمن. هذا المجلس، الذي يُفترض أن يكون القلب النابض للأمن الجماعي، بات أسير التوازنات الدولية، وحق النقض، وصراعات النفوذ بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وروسيا، والصين. ومع أن واشنطن ما تزال تمسك بمفاتيح التأثير الأساسية داخل المجلس، فإنها لم تعد تراهن عليه كأداة وحيدة، بل تفضّل التحرك عبر تحالفات مرنة، ومجالس موازية، وأطر جديدة لإدارة السلم والأمن الدوليين.
في هذا الفراغ النسبي، برزت مجالس السلام الحديثة كبدائل عملية، تسعى إلى تجاوز أعطاب مجلس الأمن، عبر مقاربات أكثر واقعية وأقل ارتهانًا لمنطق التعطيل. انخراط المغرب في هذه الصيغ الجديدة لا يعكس قطيعة مع النظام الأممي، بل قراءة ذكية لتحولاته، وسعيًا إلى التموقع داخل الفضاءات التي ما تزال قادرة على الفعل والتأثير.

هذا التموقع يتقاطع مع رؤية أمريكية جديدة للعالم، ترى في الدول المستقرة، ذات الموقع الجغرافي الحاسم، والشبكات الاقتصادية المتينة، شركاء موثوقين في زمن اللايقين. من هنا، يكتسب المغرب أهمية متزايدة في الحسابات الأمريكية، ليس فقط كحليف سياسي، بل كمنصة اقتصادية ولوجستية تربط أوروبا بإفريقيا، وتؤمّن انسيابية المبادلات في محيط إقليمي مضطرب.
ويندرج مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط ضمن هذا السياق، باعتباره رافعة استراتيجية تعزز اندماج المغرب في سلاسل القيمة العالمية، وتكرّس دوره كبوابة بحرية متقدمة في غرب المتوسط. ومع انخراطه العميق في إفريقيا، عبر استثمارات، وشراكات تنموية، ومقاربة تقوم على التعاون بدل الوصاية، يرسّخ المغرب موقعه كفاعل براغماتي يحسن قراءة التحولات الدولية.
إن ما نعيشه اليوم ليس نهاية النظام العالمي، بل مرحلة انتقالية قاسية، تُعاد فيها صياغة موازين القوة. وحين تتراجع سلطة القانون الدولي، وتتعاظم حسابات المصلحة، تصبح الدول مطالبة بالتحرك بذكاء لا برفع الشعارات. وفي هذا المشهد المعقّد، يختار المغرب أن يكون داخل المعادلة، لا على هامشها، مستثمرًا في الجغرافيا، والتنمية، والدبلوماسية الهادئة، في عالم تقوده واشنطن بأسلوب جديد… وتنافسه قوى صاعدة بلا قواعد ثابتة .

