يا صناع القرار : هل أدلكم على الخطر الصامت المهدد للانتخابات ؟ إنه العزوف الإنتخابي
الگارح ابو سالم
يبدو أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الاستحقاقات الانتخابية المقبلة لا يكمن في الجوانب التقنية أو القانونية، بقدر ما يتمثل في خطر صامت لكنه عميق الأثر: العزوف الانتخابي. عزوف لم يعد ظرفيا أو عابرا، بل أضحى سلوكا مترسخا يعكس أزمة ثقة متراكمة بين المواطن والعملية السياسية برمتها، واصبح العزوف أيضا تصويتا عقابيا وانتقاما ورسالة وجب التقاطها وتفكيك شفراتها لأنها تكررت عبر الاستحقاقات السابقة ، لكن أساليب المواجهة ظلت تقليدية .
فمع انتهاء الأجل الاستدراكي للتقييد في اللوائح الانتخابية، يتأكد أن الرهان على “النوافذ الزمنية” المحدودة لم يكن كافيا لتحفيز المشاركة. إذ إن ضعف الإقبال لم يكن مفاجئا، بل نتيجة متوقعة لمسار طويل من الاختلالات في تدبير الشأن العام، سواء على مستوى الجماعات الترابية أو الجهات، أو في السياسات الحكومية، بل وحتى في أداء المعارضة داخل المؤسسة التشريعية.
لقد راكم المواطن، عبر سنوات، مشاهد متعددة لغياب روح المسؤولية والتمثيلية الفعلية، حيث سرعان ما تتلاشى البرامج والوعود الانتخابية بمجرد الوصول إلى مواقع القرار. ومع تكرار هذا النموذج، ترسخ الشعور بأن صناديق الاقتراع لا تفضي بالضرورة إلى تغيير ملموس في الواقع المعيشي، ليصبح العزوف، في نظر فئات واسعة، خيارا عقلانيا لا موقفا سلبيا.
ويتعزز هذا الواقع في ظل ضعف المقاربة التواصلية والتحسيسية التي كان يفترض أن تسبق مرحلة التقييد والاستعداد للاستحقاقات. فالإعلام، العمومي والخاص، لم يضطلع بالدور المنتظر في توعية المواطنين بأهمية المشاركة السياسية، واكتفى في الغالب بتغطيات هامشية أو مؤجلة، في وقت طغت فيه رهانات أخرى على المشهد العام، فأُزيحت الانتخابات إلى الخلفية، وغابت عن النقاش العمومي الجدي.

ويطرح هذا الوضع تساؤلا جوهريا حول مدى نجاعة توقيت التقييد وإعادة التقييد، ومدى استحضار السياق العام الذي يُفترض أن تجرى فيه الاستحقاقات. فبدل خلق مناخ يسمح للمواطنين بالانخراط الواعي والمسؤول في المسار الانتخابي، بدا وكأن العملية أُديرت بمنطق إداري صرف، يضبط الزمن أكثر مما يبني المشاركة.
إن الإشكال، في جوهره، لا يتعلق فقط بالمساطر أو الآجال، بل بغياب المعنى السياسي للمشاركة. فحين لا يشعر المواطن بوجود رابط واضح بين صوته الانتخابي والقرارات العمومية التي تمس حياته اليومية، يتحول التسجيل في اللوائح إلى إجراء شكلي، ويفقد الفعل الانتخابي قيمته الرمزية والعملية.
ومع ذلك، فإن خطورة العزوف لا تكمن فقط في انخفاض نسب المشاركة، بل في ما قد يترتب عنه من إعادة إنتاج نفس النخب والوجوه التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تعميق هذا الإحباط الجماعي. وهنا يصبح العزوف طبيعيا ، عاملا من عوامل تكريس الوضع القائم بدل تغييره.
إن تجاوز هذه الوضعية يقتضي مراجعة شاملة للعرض السياسي، وربط الانتخاب بالمحاسبة الفعلية، وتوضيح المسؤوليات، وتجديد النخب، وتعزيز التربية المدنية المستمرة، وإشراك المواطنين في النقاش العمومي بين الاستحقاقات، لا فقط يوم الاقتراع. فالمشاركة لا تُفرض بقرار إداري، بل تُبنى بالثقة وبالإحساس بالجدوى.
ختاما، لا يمكن اختزال العزوف في خلل تقني أو فتور ظرفي، بل يجب التعامل معه كمرآة تعكس اختلال العلاقة بين المواطن والسياسة. واستعادة هذه العلاقة تظل رهانا أساسيا لمغرب يزخر بالطاقات والإمكانات، ويطمح إلى ممارسة ديمقراطية ذات معنى، لا مجرد استحقاقات تُدار بمنطق الأرقام والآجال
