الكارح ابو سالم
لم يكن بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب اختتام نهائي كأس إفريقيا للأمم 2025 بأيام ، ردًّا انفعاليًا على سجال ظرفي، بل جاء بوصفه موقفًا سياديًا محسوبًا، يعيد توجيه النقاش من ضجيج اللحظة إلى عمق المعنى، ومن انفعال المدرجات والسوشل ميديا إلى ثوابت الجغرافيا والتاريخ.
في لحظة حاول فيها البعض عزل المغرب عن محيطه القاري ، اختار جلالة الملك محمد السادس أن يضع حدًّا لهذا الجدل من موقع الثقة لا الدفاع، ومن منطق الرؤية الممتدة إلى قرون من الزمن، وجاء التأكيد واضحًا، ان المغرب كان وسيظل بلدًا إفريقيًا كبيرًا، متجذرًا في عمقه القاري، وفيًّا لقيم الأخوة والتضامن والتعاون، بعيدًا عن منطق القطيعة أو الاستعلاء.
البلاغ الملكي كتب بمنطق مباراة مستمر. لم ينشغل بتفاصيل الاستفزازات، ولا بتسمية الأطراف التي راهنت على التشويش، بل وضع تلك المحاولات في حجمها الحقيقي، واعتبرها محاولات عابرة لن تنال من روابط تاريخية نسجها المغرب مع إفريقيا على مدى قرون، ولن تمسّ مسار تعاون يتعزز بشراكات طموحة واختيارات استراتيجية ثابتة.
وما يمنح هذا البلاغ ثقله ليس فقط مضمونُه، بل نبرتُه الهادئة الواثقة. إدانة واضحة للضغينة والتفرقة، دون الانزلاق إلى التصعيد. و ردّ حاسم على حملات التشهير، دون تهويل. وثقة راسخة في وعي الشعب المغربي، وقدرته على التمييز بين الانفعال الظرفي والحقيقة العميقة. وهي ثلاث ركائز تختصر فلسفة الدولة في تدبير اللحظات الحساسة، و الهدوء، الوضوح، والاستشراف.
في هذا السياق، يكتسب التأكيد على أن نجاح كأس إفريقيا للأمم هو نجاح لإفريقيا كلها دلالة استراتيجية بالغة. فالمغرب، وهو يحقق إشعاعًا تنظيميًا ورياضيًا غير مسبوق، يرفض احتكار الرمزية، ويصرّ على تقاسم المكاسب مع القارة. إنها رؤية للريادة تقوم على الشراكة لا على التفوق العدائي، وعلى البناء الجماعي لا على تسجيل النقاط الظرفية.
كما أن الإشادة بالانخراط الشعبي الواسع في إنجاح التظاهرة لم تكن مجاملة خطابية، بل رسالة سياسية واضحة: الدولة والمجتمع يتحركان في الاتجاه نفسه. النجاح لم يكن قرارًا فوقيًا، بل ثمرة وعي جماعي، ونضج مجتمعي، وقدرة وطنية على احتضان حدث قاري بروح مسؤولة ومنفتحة. وهو ما يمنح النموذج المغربي مصداقية إضافية في محيط إفريقي يعرف اختلالات بنيوية في العلاقة بين السلطة والمجتمع.
البلاغ الملكي ذهب أبعد من ذلك، حين ربط النتائج الرياضية بالاختيارات الاستراتيجية للدولة، سواء على مستوى الاستثمار في البنيات التحتية، أو في السياسة الرياضية، أو في إشراك مغاربة العالم في الدفاع عن القميص الوطني. هنا، لا تُقدَّم كرة القدم كإنجاز معزول، بل كجزء من مشروع وطني متكامل، يراكم النجاح ولا يراهن على الصدفة.
أما التعاطي مع أحداث نهائي البطولة، فقد عكس مرة أخرى حكمة القيادة. إدانة للسلوكيات المشينة دون تعميم، ورفض لمنطق الشيطنة، مع تأكيد أن الروابط الأخوية الإفريقية أقوى من لحظات الانفعال. رسالة هادئة مفادها أن المغرب يشتغل بمنطق الزمن الطويل، لا بمنطق ردود الفعل السريعة.
في المحصلة، نحن أمام بلاغ يتجاوز وظيفة التهنئة أو التوضيح، ليصبح وثيقة سياسية–استراتيجية تعيد ترتيب الأولويات، وتضع الرياضة في خدمة رؤية إفريقية أشمل، لا العكس. بلاغ يؤكد أن المغرب، وهو ينفتح على إفريقيا، لا يبحث عن التصفيق، بل عن الاستمرارية؛ ولا يراهن على اللحظة، بل على التاريخ.
هكذا، وبدون ضجيج، أعاد الملك محمد السادس تثبيت البوصلة: المغرب ليس معزولًا لأنه متجذر، وليس في موقع دفاع لأنه اختار البناء، وليس منشغلًا بالصخب لأنه يشتغل بمنطق الرؤية. وفي قارة تحتاج إلى العقل أكثر من الانفعال، يواصل المغرب الرهان على إفريقيا متعاونة، موحدة، وقادرة على تحويل الاختلاف إلى قوة
