الگارح ابوسالم
منذ الإعلان عن استضافة البطولة، انطلقت حملات تشكيك منظمة قادتها منصات معروفة بعدائها، مدعومة بحسابات إلكترونية ومواقع اشتغلت على بث الأكاذيب وقلب الوقائع،حيث استُهدف التحكيم، والتنظيم، وحتى نوايا البلد المنظم، في محاولة واضحة لتسميم الأجواء وتشويه صورة تجربة أبهرت القارة والعالم.
لم يكن هذا الهجوم وليد الصدفة، بل جزءًا من نمط متكرر، يُفعَّل كلما حقق المغرب نجاحًا يتجاوز محيطه الإقليمي.

الإعلام العمومي المغربي: الغائب الأكبر
أمام هذا الهجوم المنظم، كان من المفترض أن يشكل الإعلام العمومي خط الدفاع الأول. غير أن الواقع كشف عن غياب مقلق. الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة (SNRT)، بكل قنواتها وإذاعاتها، بدت وكأنها خارج السياق، تقدم تغطيات تقليدية لا ترقى إلى حجم الحدث ولا إلى رهاناته.
بلاتوهات باردة، نقاشات معزولة عن المعركة الحقيقية، وغياب شبه تام للرواية المغربية في الفضاء القاري والدولي. وكأن البطولة تُبث داخل دائرة مغلقة، بينما كانت صورة المغرب تُستهدف خارجها.
القطب العمومي ورئيسه: مسؤولية الرؤية والقرار
هنا يطرح السؤال الجوهري حول دور القطب العمومي ورئيسه في هذه اللحظة المفصلية. فالإشكال لم يكن تقنيًا ولا مرتبطًا بالإمكانيات، بل كان إشكال رؤية وقرار. الإعلام العمومي اشتغل بعقلية التسيير الإداري، لا بعقلية المعركة الإعلامية.
أكثر من خمسة وعشرين عامًا من التسيير داخل قطاع سريع التحول، دون تجديد عميق في أدوات الاشتغال أو في فهم طبيعة الصراعات الحديثة، جعلت القطب العمومي عاجزًا عن مواكبة زمن السرعة، حيث تُصنع القناعات في دقائق، وتُقلب الحقائق في ثوانٍ.

وزارة الاتصال: الحاضر الغائب
إلى جانب ذلك، سُجل غياب واضح لوزارة الاتصال او التواصل ، التي كان يفترض أن تقود تنسيقًا وطنيًا للتواصل، عبر خطة استباقية، وخطاب موحد، وتعبئة شاملة للإعلام العمومي والخاص. لكن الوزارة اختارت موقع المتفرج، تاركة المؤسسات الإعلامية تشتغل دون بوصلة، ودون توجيه استراتيجي.
وهو غياب يثير الاستغراب، خاصة بعد سنوات من الحديث عن “إصلاح الإعلام” و”تأهيل القطب العمومي”، دون أن ينعكس ذلك في لحظة اختبار حقيقية.
الإعلام العدائي : قلب الحقائق وبث السموم
في الجهة المقابلة، اشتغل الإعلام الجزائري، الرسمي وشبه الرسمي، بمنطق تعبوي واضح. شكك في النتائج، وادّعى استهداف فريقه، وروّج لروايات عن تحكيم منحاز، دون أي سند واقعي. وتم قلب الوقائع بشكل فج، في محاولة لتغذية الغضب وبناء سردية الضحية.
وفي هذا السياق، برزت تعليقات حافظ الدراجي، التي اتسمت بنبرة مليئة بالتحريض والغل، وخرجت عن حدود التحليل الرياضي نحو خطاب مسموم، يشرعن التشكيك ويؤجج الضغائن، في انسجام واضح مع الخط التحريري العام للإعلام الجزائري.
المؤثرون والمنصات الرقمية: صمت غير مبرر
اللافت أيضًا غياب عدد كبير من المؤثرين المغاربة، الذين ينشطون عادة في القضايا الهامشية، لكنهم اختفوا حين تعلّق الأمر بصورة الوطن. الدفاع عن صورة البلاد ليس “ترندًا”، بل مسؤولية تتطلب وعيًا ومعرفة بالسياق، وهو ما كشف هشاشة جزء كبير من المشهد الرقمي المحلي, أما المؤثرين الذين استفادوا من صفقات الدعم فقد بدووا وكأنهم ينتمون لكوكب آخر غير أرض المغرب يتفرجون على خرجات مؤثرين من دول الخصوم ، أثناء وبعد انتهاء الفعاليات والى اللحظة .

ما بعد الدرس: الحاجة إلى إعلام يحمي الإنجاز
ما وقع في كأس إفريقيا يجب ألا يُقرأ كحادثة معزولة، بل كإنذار مبكر. فالمغرب مقبل على استحقاقات أكبر، وعلى رأسها مونديال 2030، حيث ستكون المعركة الإعلامية أشرس وأوسع.
النجاح في التنظيم لا يكفي إن لم يُحمَ إعلاميًا. والإنجاز الذي لا يُروى جيدًا، يُشوَّه بسهولة. لذلك، أصبح من الضروري إعادة النظر جذريًا في دور الإعلام العمومي، وفي طريقة اشتغال SNRT، وفي مسؤولية القطب العمومي ورئيسه، بعيدًا عن منطق التسيير الروتيني.
الخلاصة: معركة الصورة جزء من السيادة
في عالم اليوم، معركة الصورة ليست ترفًا، بل جزء من السيادة. من ينجح دون أن يحمي روايته، يترك المجال لخصومه ليكتبوا عنه ما يشاؤون.
المغرب يحتاج إلى إعلام حي، جريء، استباقي، يفهم أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالصمت، ولا بالحياد الزائف، بل بسرد الحقيقة بذكاء وقوة.
لأن الدول لا تُقاس فقط بما تنجزه… بل أيضًا بكيفية دفاعها عنه

