الگارح ابوسالم
منذ أن أُسنِد للمغرب شرف تنظيم البطولة، بدا واضحًا أن النجاح المغربي لن يُقابَل بالترحيب الطبيعي الذي يفترض أن يحظى به أي إنجاز إفريقي جامع. فقد انطلقت حملة تشكيك ممنهجة، قادتها حسابات إلكترونية ومواقع مشبوهة تدار بتمويل من النظام الجزائري، اشتغلت على بث الأكاذيب والتشكيك في كل تفصيلة: من الجاهزية، إلى التحكيم، وصولًا إلى ما سُمّي بـ«الكولسة». الهدف كان واضحًا: تسميم الأجواء وإرباك صورة بلد اختار النجاح علنًا في نسخة أبهرت العالم بمستواها التنظيمي.
الإعلام الجزائري: قلب الحقائق وبث السموم
لم تقتصر محاولات التشويش على الحسابات الإلكترونية والمواقع المشبوهة، بل امتدت إلى ما يمكن تسميته بـ«أبواق الجزائر الإعلامية». فقد أظهرت القنوات الرسمية وشبه الرسمية حملة مكثفة لتشكيك الجمهور في نتائج منتخبهم، وتصوير الفريق الوطني السنغالي وكأنه ضحية مؤامرة أو متضرر من التحكيم، رغم غياب أي دليل ملموس.
كان الخطاب الإعلامي متسلسلًا: من قلب الحقائق، إلى تضخيم الأخطاء، وصولًا إلى نشر شائعات حول «المجاملة» و«الفساد التحكيمي»، كل ذلك بهدف زرع الغضب والحقد وتشويه صورة المغرب . وفي قلب هذا الفضاء الإعلامي، برز دور بعض المعلقين، على رأسهم حافظ الدراجي، الذي تميزت تعليقاته بالسمّ والغل، مستغلاً قناة بي ان سبور لنشر التحريض، وتغذية الشكوك، وإعطاء الشرعية للرواية المفبركة التي حاول النظام تسويقها داخليًا وخارجيًا.
هذا النمط من الإعلام ليس مجرد تغطية رياضية، بل أداة ضمن استراتيجية أشمل، تهدف إلى النيل من أي إنجاز مغربي أو إفريقي ناجح، وتحويل الرياضة إلى ساحة صراعات سياسية غير معلنة. وهو ما يفسر الانسجام بين البلاغ السنغالي والتحيز الإعلامي الجزائري، في سياق مؤامرة أكبر حاولت التشويش على البطولة بأكملها.

الزوبعة قبل النهائي: بلاغ السنغال
وقبيل النهائي بيوم واحد فقط، أصدر الاتحاد السنغالي بلاغًا احتجاجيًا أربك المشهد وأثار ضجيجًا أكبر من مضمونه. بلاغ فقير في الوقائع، لكنه أدى وظيفته: خلق توتر وتشكيك في لحظة حاسمة. هنا طُرح السؤال المشروع: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا التصعيد عشية مباراة يفترض أن تكون تتويجًا لمسار رياضي؟
ما تلا ذلك كشف أن التحول الحاد في الموقف السنغالي لم يكن زلة تقدير، بل تمهيدًا محسوبًا. انسحاب المنتخب، بتوجيه من مدربه، وهنا بدأت الصورة اكثر وضوحا، تؤكد أن ما وقع لم يكن مجرد صدفة.
تصريحات إيتو: الخيوط الداخلية
في خضم هذا السياق، جاءت تصريحات صامويل إيتو لتضيف بعدًا بالغ الدلالة. الرجل، دون اتهام مباشر، لمح إلى تعرضه لضغوط للتأثير على قرارات رياضية، قائلاً:
«أنا أعرف ما الذي عُرض عليّ، وقلت لا» قبل أن يضيف:
«كل شخص مسؤول عن اختياراته، وأنا قمت باختياري» هي عبارات مقتضبة لكنها ثقيلة المعنى، لأنها صادرة من داخل المنظومة، لا من خارجها.
المدرب السنغالي وطاقمه: البيئة المحيطة
لا يمكن تجاهل وجود مساعد للمدرب يحمل الجنسية الجزائرية. الإشارة هنا ليست إلى شخصه، بل إلى واقع موثّق: توظيف بعض الأنظمة للرياضة كأداة نفوذ غير مباشر، واستثمار الأفراد—أينما وُجدوا—في صراعات سياسية لا علاقة لها بالرياضة. ومن يعرف المدرب السنغالي عن قرب يدرك أنه لم يُعرف بالتصعيد أو افتعال الأزمات، ما يجعل الانعطاف المفاجئ في سلوكه سؤالًا مشروعًا حول تأثير البيئة المحيطة في لحظة حرجة.
السياق الإقليمي: السياسة والرياضة
التجربة الإقليمية تُظهر أن النظام الجزائري، في أكثر من محطة، استخدم الملفات الرياضية والإعلامية لتصفية حسابات سياسية، وشيطنة نجاح المغرب نهجًا ثابتًا كلما عجز عن إنتاج نموذج مماثل. ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر العمل في الظل، وبث الشكوك، وصناعة الأزمات بالوكالة. هنا نتحدث عن سلوك سياسي منظّم يرى في نجاح الآخر خطرًا يجب تقويضه.
من هذا المنطلق، يصبح مشروعًا التساؤل عمّا إذا كان ما جرى نتيجة تدخل النظام الجزائري في تحريك خيوط المؤامرة، واستعمال أدوات بشرية دون أن تكون صاحبة القرار النهائي، بهدف إفشال الإنجاز المغربي.

دور الجامعة والأجهزة المعنية
تبرز هنا أهمية اشتغال الأجهزة المغربية على تتبع الخيوط، وجمع المعطيات، وربط ما قبل النهائي بما بعده، لأن المؤامرات المحكمة لا تُكشف بالشعارات، بل بتراكم الوقائع. وإلى جانب الطعن الذي تقدمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، يصبح دعم الملف بكل ما يمكن استجلاؤه من عناصر ومسارات تأثير ضروريًا، ليس للانتصار في قضية ظرفية، بل لوضع حد لمنطق تحويل المنافسة الرياضية إلى ساحة تصفية حسابات سياسية.
هكذا تبدو المؤامرة
عند جمع كل الخيوط—بلاغ احتجاجي مشبوه التوقيت، تحول مفاجئ في الخطاب، وضغوط خفية—يتضح أن الخبث الرياضي، حين يتكرر بهذا النسق، ليس فعل أفراد معزولين، بل نتاج تفكير سياسي يحوّل الرياضة إلى أداة.
في النهاية، قد تُسلب بطولة، وقد يُشوَّش على لحظة التتويج، لكن ما لا يمكن مصادرته هو الحقيقة. وحين تُكشف الكواليس، يتضح من كان يبني ومن كان يعرقل، ومن اختار أن يكون جزءًا من المستقبل، ومن ظل أسير عقلية الهدم. الفرق بين الطرفين، مهما طال الزمن، لا يحتاج إلى كثير شرح… بل إلى البون شاسع .

