المغرب يثبت أن التنظيم والقيم أهم من أي لقب

0

الگارح ابو سالم

قال ”  أرسين فينغر”  ذات مرة: «كيف يمكن أن تحقق النجاح وقارة بأكملها تقف ضدك؟ المغرب أظهر الروح الرياضية طوال البطولة، هنيئًا لهم.» هذه ليست جملة مجاملة أو تعليقًا عابرًا من مدرب عادي، بل شهادة ثقيلة الوزن، لأنها تضع الإصبع على جوهر الأزمة: النجاح في إفريقيا لا يُكافأ دائمًا بالشكر والثناء، بل غالبًا يُعاقَب.
وإذا خرج المغرب من هذه الكأس دون لقب، فإنه خرج وهو يحمل ما هو أعظم: وعيًا صادمًا بحقيقة محيطه. المغرب لم يخسر معركة التنظيم، الذي كان عالميًا واستثنائيًا بكل المقاييس، ولا معركة صورته الدولية، فقد ازداد احترامه من طرف المؤسسات الكروية العالمية، بما فيها دول أفريقية محترمة. ما خسره ببساطة هو وهم الأخوّة غير المشروطة، وحسن النوايا مع من يضمر له حقدًا وعداءً خفيا ،فالعدو الصريح خير من الصديق المنافق، وهو أصعب ما يمكن مواجهته.
نعم، المغرب بلد يعرف قيمته ووزنه، ولم يسعَ للانخراط في ممارسات بائدة من تحكم وكولسة وصناعة نتائج خلف الكواليس. حتى لو سرق منه اللقب، فلن يهدد بالانسحاب، ولن يحوّل الهزيمة إلى مؤامرة، ولن يختبئ خلف التحكيم أو الطقس أو الجمهور. كان ثابتًا دائمًا، حتى حين شعر بالخذلان، في بيئة لا تتنفس إلا على سلوكيات معاكسة للقيم. كلما تمسك المغرب بالمبادئ، ازدادت استهدافاته من طرف من لم يحسم بعد علاقته بالأخلاق.

في هذه البطولة انكشفت أقنعة بعض المنتخبات التي ترى في الهزيمة إهانة لا درسًا، واتحادات تتعامل مع كرة القدم كورقة ضغط سياسي، وإعلام يبحث عن شماعة لتبرير الفشل بدل مساءلة الذات. حين تعتاد بعض العقليات على الفوضى والكولسة، يصبح الاحتراف تهديدًا، ويعتبر التنظيم الجيد استفزازًا، لا نجاحًا.
المغرب فتح أبوابه بلا حساب، استقبل القاصي والداني، وفرّ بنية تحتية بمعايير عالمية، وقدّم صورة حضارية لإفريقيا أمام العالم. ومع ذلك، اكتشف حقيقة صادمة: الكرم لا يخلق بالضرورة وفاءً، والأخلاق لا تُورَّث بالضيافة. و الخذلان لم يأتِ فقط من خصوم متوقعين، بل من أطراف صمتت حين كان الاعتراف واجبًا، و فرحت حين تعثّر المغرب. و هذا هو أكبر اعتراف بقوة المغرب، اما الحقد فما هو إلا الابن غير شرعي للنجاح.
و هنا من يطرح السؤال عن ما الذي يجنيه المغرب من تنظيم بطولات لقارة تعاقب النجاح بدل مكافأته؟ وقد صرف عليها المليارات، و سخّر لها مؤسساته، و رفع صورة إفريقيا عالميًا، وفي المقابل تلقى حملات تشويه وانتقادات انتقائية، وخطابًا عدائيًا مغلفًا بالغيرة. نعم انها معادلة مختلة، فالبلدان التي لا تتحمل رؤية النجاح لا تستحق الاستفادة منه.

لهؤلاء اقول ،المغرب اختار طريقًا مختلفًا: طريق الكفاءة بدل الضجيج، البناء بدل البكاء، و تعلم أن الطريق إلى القمة قد يجعله وحيدًا، لكنه أنظف، وأن ما يواجهه من حسد وعداء ليس إلا دليلًا على صحة المسار. وعندما تأتيك الطعنة في الظهر فهذا دليل على أنك تركت القافلة في خلفك ، و طبيعي في عالم يقاس فيه كل شيء بالمصالح، و الأخلاق ليس عملة متداولة.
المغرب كما أكّد المفكر عبد الله العروي، “جزيرة مطوقة”، ليس بالانغلاق، بل لحماية رؤيته والتعامل بوعي مع محيطه دون أن يذوب فيه.
ورغم كل هذا ، المغرب سيواصل بهدوء وكرامة وذاكرة حية، لأن من لا يتعلّم من الخسارة سيخسر حتى حين يظن أنه انتصر. و المغرب لم يخسر مساره، بل كشف أسرارًا كثيرة، والفوز الحقيقي لم يكن بالكأس، بل بتثبيت نموذج التنظيم، واحترام المؤسسات، والقدرة على الصمود في وجه الحسد والعداء. و لا يهمه تصفيق الحاسدين، بل الاستمرارية و النجاح،
تجربة كأس إفريقيا أثبتت أن كرة القدم لم تعد بريئة، فهي فضاء صراع ومجال اختبار للقوة الناعمة. المغرب قد يخسر مباراة، لكنه يثبت أنه دخل مرحلة جديدة، حيث نجاحه الواضح يجعله هدفًا للاستهداف. في السياسة كما في كرة القدم، ليست كل الهزائم فشلًا، والأهم فهم قواعد اللعبة والتفوق الأخلاقي دون الانزلاق في خبث الخصوم.
وهنا يكمن انتصار المغرب الحقيقي: الصلابة، التنظيم، احترام المؤسسات، والقدرة على الصمود أمام الحسد والعداء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.