الگارح ابوسالم
نعم، من حقنا أن نفرح.
من حق المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، أن يرفعوا رؤوسهم عاليًا وهم يشاهدون منتخبهم الوطني يبلغ نهائي كأس إفريقيا عن جدارة واستحقاق، لا بهدية، ولا بمحض صدفة. إنه إنجاز تاريخي يُحسب لأسود الأطلس، كما يُحسب لشعب لم يتخلَّ يومًا عن إيمانه بمنتخبه، حتى في أحلك اللحظات وأقساها.
غير أن الفرح، حين لا يُضبط، قد يتحوّل إلى فخ.
وهذا ما علّمنا إياه التاريخ، درسًا لا نحب أن ننساه، ولا نريد أن نكرره. تونس 2004 ما تزال حاضرة في الذاكرة، شاهدة على منعرج مؤلم، حين ظننا أن الوصول يكفي، فاكتشفنا متأخرين أن المجد لا يفتح بابه إلا لمن يُصرّ على آخر خطوة. لذلك، فلتكن فرحتنا اليوم واعية، محسوبة، ومؤجلة الاكتمال إلى ليلة الثامن عشر من يناير وما بعدها. إلى ذلك الحين، لا شعار يعلو فوق شعار واحد: “ما دارنا والو”.
وما تحقق إلى حدود الآن لم يكن ضربة حظ، ولا نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة حبكة كروية متقنة.
لاعبون خبروا أعلى المستويات، فامتلكوا برودة الأعصاب في المواعيد الكبرى، وعرفوا كيف يُطفئون ضغط المباريات الحاسمة.
مدرب قرأ الخصوم بعين ثاقبة، وأدار التفاصيل باستراتيجية وذكاء، فربح معركة التكتيك قبل صافرة النهاية.
وجماهير رفعت الدعاء قبل الهتاف، وكانت شريكًا حقيقيًا في كل تمريرة وكل هدف، وفي كل لحظة فارقة.

ورغم أن عيونًا كثيرة كانت تترصّد سقوط المنتخب المغربي—من جيران أزعجهم هذا الصعود المتسارع، ومن منافسين تمنّوا تعثّره—فإن العزيمة المغربية قالت كلمتها. الثقة، والانضباط، ومعرفة كيف تُدار البطولات بالحكمة لا بالاندفاع، هي ما أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم: ضمن نخبة العالم، ثامنًا عالميًا، وبهُوية كروية واضحة المعالم.
غير أن هذه القفزة النوعية لم تولد من فراغ.
إنها ثمرة رؤية بعيدة المدى، يقف في صلبها جلالة الملك محمد السادس نصره الله و شفاه وعافاه، الذي جعل من الرياضة—وكرة القدم على وجه الخصوص—خيارًا استراتيجيًا، وقوة ناعمة، لا مناسبة عابرة أو رهينًا بالنتائج الظرفية.
بدأ المسار من المناظرة الوطنية للرياضة، التي أعادت ترتيب الأولويات،
مرورًا بترسيخ ثقافة التكوين الأكاديمي عبر أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي أنجبت جيلًا جديدًا من اللاعبين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات،
وصولًا إلى إحداث مركب محمد السادس بالمعمورة، هذا الصرح الذي يعكس طموح دولة تؤمن بأن النجاح يبدأ من البنية التحتية، وبالاستثمار في العنصر البشري،
ثم الرهان الجريء على تنظيم التظاهرات الكبرى بثقة الكبار، دون عقد نقص، وبمعايير أبهرت القاصي والداني.
لقد أثبت المغرب، من خلال تنظيمه لكأس إفريقيا، أنه لم يعد مجرد مشارك في اللعبة، بل لاعب رئيسي في صناعة الحدث. وكان ذلك مقدمة طبيعية لاستعداد غير مسبوق يجعل من تنظيم كأس العالم محطة نبوغ مغربي جديدة، وعنوانًا لدولة تعرف كيف تحوّل الرهان إلى إنجاز.
اليوم، من حقنا أن نفرح… نعم.
لكن غدًا، يجب أن نطوي صفحة النشوة، ونشدّ سواعد العمل من جديد.
فالألقاب لا تُحسم بالهتاف،
ولا تُصنع بالثقة الزائدة،
بل تُنتزع بالتركيز، وبالتواضع، وبعقلية تؤمن أن كل ما تحقق إلى الآن—على أهميته—ليس سوى بداية.
أما الفرحة الكبرى، الحقيقية، المكتملة،
فستكون الفوز بالكأس…
لنُهديها إلى جلالة الملك الذي كرس فينا ثقافة الانتصار،
وأثبت أن المغرب بلد التحديات… وبلد الوفاء.
ديما مغرب…
والكأس، بحول الله، من نصيبنا

