هذا ما كان ف الكان: عندما ماتت أسطورة “خاوة خاوة” – الحلقة 29/22
الگارح ابوسالم
مغربية الصحراء شيء لا جدال فيه، ولكننا كنا ننتظر أن يعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار… كنا نريد أن يعرف الناس النوايا الحقيقية لمن يُساكنوننا ويجاوروننا، ولله الحمد أن انكشف الغطاء».— المغفور له الملك الحسن الثاني
لم تكن هذه الكلمات، حين نطق بها الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه ، حكمةً عابرة ولا ردًّا سياسيًا ظرفيًا، بل كانت تشخيصًا استباقيًا لحالة ستتكشّف مع الزمن. كان يعلم أن الحق لا يحتاج إلى صراخ، وأن مغربية الصحراء حقيقة ثابتة، غير أن الرهان الحقيقي لم يكن في إثبات الحق، بل في ترك الزمن يفضح النوايا، ويكشف طبيعة الجار، ويعرّي العقلية التي نُحشر في جوارها, وقد انكشف الغطاء… تمامًا كما قال رحمه الله .
حين يتحوّل الضيف إلى عبء
حلقة اليوم من هذا العمود ،لم اكتبها من موقع الانفعال، ولا بدافع الردّ على ترّهات إعلامية رخيصة، ولا رغبة في الدوران داخل الحلقة المفرغة لهوس جارٍ حقود، حوّل المغرب إلى عقدته اليومية.
إنه محاولة واعية لإغلاق ملف أُنهك أكثر مما يستحق: الجزائر، جمهورًا وخطابًا وإعلامًا وسلوكًا، حتى نتفرغ لما هو أسمى وأجدر… نصف النهائي والنهائي،
الذي نرجو من الله أن يكون تتويج المنتخب المغربي مسك الختام.
لكن قبل ذلك، لا بد من الوقوف عند ما وقع خلال كأس إفريقيا على الأراضي المغربية، لا بوصفه أحداثًا معزولة، بل كمرآة كاشفة لواقع أعمق، لان ما صدر عن فئات من الحضور الجزائري لم يكن توترًا رياضيًا عابرًا، ولا انفلاتًا يمكن تبريره بالحماس أو تعليقُه على شماعة الإقصاء. الذي انكشف، بوقاحة لا تحتاج إلى تأويل، بل لقد بدأ للعيان ، أن هذا الجار يعيش أزمة نفسية بنيوية، و عميقة ومتجذّرة، أزمة شعب جرى تسميم وعيه لسنوات، حتى بات عاجزًا عن مواجهة فشله، فاختار تصديره عداءً وفوضى واستفزازًا.
إنه شعب حُقن بخطاب كراهية حتى التخمة، خطاب جعل من الآخر — المغرب تحديدًا — مصدر كل خيبة، وكل عجز، وكل انهيار أخلاقي. وحين يُمنع العقل من محاسبة الذات، لا يبقى أمامه سوى تفجير المكبوتات في المدرجات، وفي الشوارع، وفي كل فضاء يسمح بالصراخ بدل التفكير.
الإعلام… حين يتحوّل التعليق إلى تحريض
منذ صافرة البداية، كان المشهد فاضحًا، بعض الأصوات الإعلامية الجزائرية، وعلى رأسها حفيظ الدراجي، لم تكن تُعلّق على مباريات كرة قدم، بل كانت تُدير محاكمات سياسية ونفسية على المباشر،بقاموس محفوظ يُستخرج كلما اقترب الفشل ،التحكيم، المؤامرة، الاستهداف، “الضمانات”، و هي عملية استباقية لتبرير الهزيمة قبل وقوعها، حتى إذا وقعت، انفجر الغضب في كل الاتجاهات… باستثناء اتجاه واحد، الذات.
ومع ذلك، وحتى لا نقع في التعميم الأعمى، لا بد من الاعتراف بأن بين الجزائريين من تحلّى بشيء من الشجاعة العقلية. قلة قليلة، نعم، لكنها قالت الحقيقة المجرّدة: الهزيمة كانت كروية، قالها المدرب و أكدها رياض محرز، وقالها آخرون بلا لفّ ولا دوران.

غير أن هذه الأصوات بقيت معزولة، لأنها لا تنتمي إلى جوقة الطاعة. أما أبواق السلطة، فقد أدّت دورها كما ينبغي: شحنٌ للخطاب، نفخٌ في أوهام المؤامرة، وإعادة تدوير نفس الأسطوانة المشروخة: رشوة، كولسة، استهداف، خطاب لا يُقنع حتى أصحابه، لكنه يُردَّد خوفًا لا اقتناعًا، لأن الخروج عن النص قد تكون كلفته باهظة عند العودة إلى الداخل.
السقوط على الأرض… لا في الميكروفون فقط
غير أن الكارثة الحقيقية لم تكن فقط فيما قيل، بل فيما فُعل.
في الملاعب: سبّ، شتم، وانحطاط لفظي في الفضاءات العامة و فوضى، و تخريب،وفي الشوارع: أعلام تُرفع بلا معنى، بلا سياق، بلا روح رياضية، فقط كأدوات استفزاز بدائي، وتفريغ جماعي لغضب مرضي، وهنا تسقط كل محاولات التذاكي.
هذا السلوك لم يولد في المغرب، رغم أنه نظّم نسخة مشهودًا لها عالميًا من كأس إفريقيا. رأيناه سابقًا في قطر، دون أن يكون هناك منتخب جزائري أصلًا. وشهدناه في فرنسا، حيث انتهت “الاحتفالات” بمحاضر شرطة وملفات قضائية.
و المشكل، إذن، في سلوك متنقّل، و مرضي، يحمله أصحابه أينما حلّوا.
اما كل من حضر كأس إفريقيا بالمغرب من مسؤولين، و لاعبين دوليين ، و جماهير الدول الأفريقية الأخرى ، وصحافة دولية اجمعوا على حقيقة واحدة على ان حسن التنظيم صارمته ، أمن احترافي بكل المقاييس ، و ملاعب بمعايير عالمية، وبلد فتح أبوابه دون عقد ولا حسابات.
كما اجمعوا على ان النقطة السوداء الوحيدة التي ارادت الإساءة إلى التظاهرة ، حسب الملاحظين، كانت ،هي السلوك البئيس للجمهور الجزائري ، وإعلامه المأزوم.
وأظن ان من يختزل كل هذا في “الهوس ”، يهرب من جوهر المشكلة، لأن الأزمة أعمق من ذلك ، أزمة تربية ، أزمة وعي، أزمة أخلاق، وأزمة قبول بالواقع.
واقع يقول إن الفشل لا يُعالج بالصراخ، ولا بتصدير الكراهية.
مباراة نيجيريا… حين فضحت الأرقام الوهم
لنعد إلى مباراة نيجيريا، التي حاولوا تعليق كل خيبتهم عليها.
قال معلّقهم، دون حياء ودون احترام لعقول المشاهدين، عبر قناة دولية، إن “ضمانات” قُدمت لمدرب نيجيريا كي ينتصر.
هنا اتساءل عن أي ضمانات يتحدث، والأرقام التكتيكية كانت مهينة؟ صفر تسديدات على المرمى ، عشر لمسات داخل منطقة الجزاء، مقابل ثلاث عشرة تسديدة للمنتخب النيجيري ، واثنتين وأربعين لمسة داخل منطقة الجزاء الجزائرية، ثم يُطلب منا أن نصدق أن الحكم هو السبب. أي حكم منع التسديد؟ وأي مؤامرة صنعت فارق 42 مقابل 10؟
نظرية المؤامرة ليست تحليلًا، بل مرضًا. مرضًا يُريح أصحابه من مواجهة ذواتهم، ويُبقيهم أسرى الغضب والإنكار ، هذا لم يكن ظلمًا تحكيميًا، بل سقوطًا كرويًا وأخلاقيًا.
نيجيريا لم تلجأ إلى حكم ولا إلى كولسة، بل ربحت باللعب الجماعي، بالانضباط، وبكرة قدم راقية صفق لها الملايين.
أما المنتخب الجزائري، فدخل مثقلًا بعقد المؤامرة، وخرج عاريًا من أي حجة.
النهاية التي قتلت الوهم
وما تلا الإقصاء كان ذروة الانهيار الأخلاقي: تكسير كراسي، محاولات اقتحام، سبّ وشتم، ومحاولات اعتداء على صحفيين مغاربة، لولا تدخل رجال الأمن المغربي بحزم الدولة لا بردّة فعل الشارع.
وهنا يخرج السؤال الشعبي بلا تجميل: واش هادو جاو يتعداو علينا فبلادنا؟

خلاصة القول، إن الوجه الذي كشفه لنا بعض جيراننا اليوم، جعل كثيرين يقتنعون بأن أسطورة “خاوة–خاوة” ماتت سريريًا. لأن الأخوّة لا تُبنى بالسبّ، ولا بالعداء، ولا بالحقد المتراكم.
رحم الله الحسن الثاني، الذي فهم مبكرًا أن الجيران قدر، لكن الأخطر أن يُبتلى الإنسان بجار يرفض الاعتراف بنفسه.
والمغرب اليوم ماضٍ في طريقه، قاطرته تسير، ومساره واضح. لقد أثبت للعالم، بتنظيمه المحكم لكأس إفريقيا، أنه دولة مؤسسات، دولة قانون، ودولة مستقبل.
المغرب خطّ أحمر.والكراهية، مهما علت، لن تصنع تاريخًا… ولا مجد.
ديما مغرب.

