هذا ما كان ف الكان: أهكذا أراد حكام الجزائر أن تكون أخلاق شعبهم ؟ – الحلقة 29/19

0

الكارح أبو سالم 

هل كُتب علينا أن نعود، كل يوم، في هذا الركن، للحديث عن الانزلاقات الأخلاقية التي باتت تطبع سلوك بعض الجماهير الجزائرية، وبعض لاعبيها، وبعض أبواقها الإعلامية؟سؤال مُتعب، لكنه صار ملحًّا، لأن ما نعيشه اليوم لم يكن يومًا من سمات الماضي، لا في سبعينيات القرن الماضي ولا في ثمانيناته، رغم حدة النزاع السياسي آنذاك، ورغم ما سُمي بـ«عقدة حمام الجزائر»، ورغم التعنت الرسمي في تلك المرحلة. ومع ذلك، كان الشعب الجزائري متزنًا، محافظًا على قدر من الحياد، بل كانت العلاقات الاجتماعية والتداخل العائلي بين الشعبين المغربي والجزائري حقيقة قائمة لا يمكن إنكارها، حتى بعد واحدة من أبشع النوازل الإنسانية في المنطقة: طرد آلاف المغاربة من الجزائر، وسلب ممتلكاتهم، وتمزيق أسرهم.

فإذا كان النزاع في تلك الفترة على أشدّه، لم نرَ هذا القدر من الانحطاط الأخلاقي، ولا هذا السلوك العدائي الفجّ، ولا هذا الخطاب المسموم الذي نراه اليوم؟

والمؤلم، ان ما نراه اليوم ليس رد فعل طبيعيًا، بل نتاج عملية طويلة من التهجين الذهني، وغسل الوعي، وتكريس منطق العداء بوصفه هوية للأجيال المتعاقبة .، لقد كشفت استضافة المغرب لكأس إفريقيا عن مفارقة صادمة: الجمهور الجزائري الذي حلّ بالمغرب اصطدم بواقع مختلف كليًا عمّا صُوّر له سنوات طويلة في إعلامه الرسمي،حيث وجد المغرب يعيش تطورا عمرانيا، انفتاحا اجتماعيا ، وهو في وضع أمن، وتنظيم محكم ، وانسيابية في كل شيء …لم يجد مغاربة يكرهون علم الجزائر، ولا شعبًا يكنّ عداءً لجيرانه، بل وجد بلدًا يؤمن فعلًا بـ«خاوة خاوة» بلا نفاق ولا شعارات مستهلكة.

غير أن المشكلة بالنسبة للجزائريين ليست في ما يُرى بالعين، بل في ما استُبطن في الوعي. فمن شُحن بالكراهية في المدرسة، ومن رُبّي على العداء في الإعلام، ومن أُجبر على ممارسة هذا العداء كواجب وطني، يصعب عليه أن يتحرر بسهولة من هذا القيد، حتى لو انهارت كل الأكاذيب أمامه.

ومن هنا نفهم ما التصرف غير الأخلاقي ل بونجاح، وما قام به عمورة من استهزاء ، وما يصرّ على بثه حفيظ الدراجي من سموم ، وما تروّجه مواقع جزائرية ممولة وموجَّهة من تراهات، وهي لا ترى في الرياضة إلا امتدادًا لمعركة سياسية بائسة. نفهم كيف يتحول اللاعب إلى أداة، والصحافي إلى بوق، والمشجع إلى كائن منزوع البوصلة الأخلاقية. وهذا ما يجعل المشاهد المقرفة التي رأيناها تثير الغثيان:

مشجع يدّعي التبول في المدرجات، ويتباهى بذلك.
صحافي ينقل تغطية من مطرح للنفايات، وكأن الرمزية لا تعنيه.
إعلام رسمي يبث المباريات بفلتر ضبابي لتشويه الصورة، بعد أن فشلت الأكاذيب في الصمود أمام الواقع.
نشرات أخبار تُكتب من محبرة العداء، لا من ضمير مهني.

وفي ذروة هذا الانكشاف، جاءت سقطة خديجة بن قنة، حين نشرت تدوينة عنصرية مسيئة في حق المشجع الكونغولي النبيل باتريس لومومبا. وحين انقلب الرأي العام عليها، لم تجد سوى حيلة بائسة: تعديل التدوينة مرة بعد أخرى، وكأن تغيير الكلمات يمحو الفكرة، وكأن الاعتذار الشكلي يُصلح ما أفسده غياب القيم، ثم جاءت اللحظة الفارقة: رئيس الكاف يتدخل، يستقبل لومومبا، ويكرّمه ببطاقة شرفية لحضور باقي مباريات كأس إفريقيا وهنا فقط، ظهر الفرق بين من يرى في الرياضة أخلاقًا، ومن يراها ساحة لتفريغ الحقد.

نحن، في المغرب، لسنا دعاة فتنة، ولن نكون. نؤمن أن الإنسان يمثل نفسه وتربيته، لا شعبه بأكمله ، ومن المستحيل أن نكره شعبًا بسبب تصرفات أقلية، مهما كانت صاخبة. لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نقول: ما قام به بعض اللاعبين وبعض الإعلاميين يكشف فقرًا فكريًا وانحلالًا أخلاقيًا لا علاقة له بالمنافسة الرياضية.

لعلّ ما قدمه المغرب من يد ممدودة، وما شاهده الجزائري بعينيه، يُحدث شرخًا في جدار الوهم. لعلّ كأس إفريقيا، المنظمة على أرض المغرب، تكون تلك النقطة التي تفيض بها كأس الصبر، فيستفيق الشعب الجزائري، ويسأل السؤال الحقيقي: لماذا نُغذّى بالكراهية بدل التنمية؟ ومن المستفيد من إبقائنا أسرى عدو وهمي؟ عندها فقط، ستستعيد الرياضة معناها، ويستعيد الإنسان ذاته، وتسقط آخر أوراق الفراغ الأخلاقي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.