حين ترتقي كرة القدم بذاكرة التحرر الإفريقي “باتريس لومومبا”

0

بقلم : محمد الغياط 

لم يكن ظهور مشجع كونغولي يجسد صورة أو رمز الزعيم الإفريقي باتريس لومومبا في مدرجات كأس أمم إفريقيا المنظمة بالمغرب حدثًا عابرًا أو تفصيلاً فولكلوريًا عاطفيًا، بل كان لحظة ذات دلالات تاريخية عميقة، أعادت إلى الواجهة العلاقة المركبة بين الرياضة والذاكرة السياسية، وبين كرة القدم بوصفها لعبة شعبية، والتحرر الإفريقي باعتباره مشروعًا إنسانيًا جامعًا.
رجل شبه لومومبا… أكثر من اسم في التاريخ
باتريس لومومبا ليس مجرد زعيم كونغولي اغتيل في بداية ستينيات القرن الماضي، بل هو رمز إفريقي بامتياز، جسّد حلم القارة في الاستقلال الحقيقي، ورفض التبعية، وبناء دولة إفريقية ذات سيادة سياسية واقتصادية.
حين يُستحضر اسمه وحضور شبيهه بلباسه في فضاء رياضي، وفي ملاعب كرة القدم بالمملكة المغربية خلال تنظيم منافسة كاس افريقيا للامم في كرة القدم ، فذلك يعني انه كان صديقا للمغرب ورفيقا للمغفور له الملك محمد الخامس في طريق التحرير والوحدة وهذه التفاتة لها دلالاتها التاريخية
الحنين للزمن الجميل يدفعنا كمتتبعين للشأن الرياضي والتاريخي والسياسي والثقافي إلى إعادة طرح سؤال الحرية: ماذا بقي من أحلام جيل التحرر؟
وكيف تتجدد رموزه في وجدان الشعوب الإفريقية؟
من مدرجات الملاعب إلى منصة الذاكرة الجماعية
المدرجات، في السياق الإفريقي، ليست مجرد فضاء للتشجيع، بل تتحول أحيانًا إلى منبر رمزي تعبّر فيه الشعوب عن هويتها، تاريخها، وآمالها.
☆ظهور لومومبا في المدرجات المغربية يعكس:
وعيًا تاريخيًا مشتركا لدى الجماهير الإفريقية،
ورغبة في ربط الحاضر الرياضي بماضٍ نضالي مشترك،
وتأكيدًا على أن كرة القدم لم تنفصل يومًا عن القضايا الكبرى لشعوب القارة.

ليس من المصادفة أن تُستدعى رموز مثل:
باتريس لومومبا كرمز من رموز الاستقلال في إفريقيا أسس دولة حديثة في الكونغو الديمقراطية.
محمد الخامس، رمز استقلال المغرب والداعم المبكر لحركات التحرر الإفريقية،
الحبيب بورقيبة، أحد وجوه بناء الدولة الوطنية الحديثة في شمال إفريقيا،
ليوبولد سيدار سنغور، الذي جمع بين السياسة والثقافة والبعد الإنساني،
وجمال عبد الناصر وعدد كبير من القادة والزعماء الأفارقة
جميعهم جعلوا من الرياضة أداة مصالحة ووحدة وطنية،
فهؤلاء القادة لم يؤسسوا فقط دولًا مستقلة، بل ساهموا في بلورة فكرة الوحدة الإفريقية التي تجسدت في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1963، باعتبارها إطارًا للتضامن السياسي والثقافي والإنساني بين شعوب القارة.
☆كرة القدم: لغة إفريقيا المشتركة
في قارة تتعدد فيها اللغات والأعراق والحدود، تظل كرة القدم اللغة الأكثر فهمًا وانتشارًا.
هي الفضاء الذي تلتقي فيه الشعوب دون وساطة سياسية، بل بروح جماهيرية
وتُعلّق فيه الأعلام لا كحدود، بل كهوية،
وتُرفع فيه الصور لا كشعارات، بل كذاكرة حيّة.
من هنا، يصبح حضور رموز التحرر في الملاعب رسالة مفادها أن الوحدة الإفريقية ليست شعارًا سياسيًا فقط، بل ممارسة ثقافية وشعبية.
الرياضة كقيمة… لا كفرجة فقط
إن استحضار لومومبا في بطولة قارية يُذكّر بأن الرياضة الإفريقية مطالبة اليوم بأكثر من المنافسة:
مطالبة بترسيخ قيم التضامن والتسامح،
وبإعادة الاعتبار للبعد الإنساني في المنافسة،
وبالحفاظ على الروح الرياضية كامتداد لروح التحرر.
فالحرية التي ناضل من أجلها لومومبا ورفاقه، تجد اليوم أحد تجلياتها في قدرة الشعوب الإفريقية على الفرح المشترك، والاختلاف النبيل، والتنافس دون كراهية.
وقد تجلي ذلك حينما ارتقاء الذاكرةُ باللعبة في
كأس أمم إفريقيا، وهي تُنظَّم على أرض المغرب، لا تُقدّم فقط مباريات وأهدافًا، بل تُقدّم أيضًا لحظات رمزية تختزل تاريخ قارة بأكملها.
وحين يظهر لومومبا في المدرجات، فإن الرسالة واضحة:
إفريقيا لا تنسى، وإفريقيا توحّد بين الكرة والكرامة، بين الرياضة والحرية، بين الماضي والمستقبل.
☆المغرب ودوره في ترسيخ الوحدة الإفريقية:
وفي هذا السياق، يبرز الدور الريادي للمملكة المغربية في دعم الوحدة الإفريقية، من خلال رؤية يقودها جلالة الملك محمد السادس، تقوم على تعزيز التعاون جنوب–جنوب، وترسيخ قيم التنمية البشرية، وتشجيع الرياضة كرافعة للتقارب بين الشعوب الإفريقية.
إن تنظيم كأس أمم إفريقيا بالمغرب 2025الدورة 35 يؤكد أن الرياضة ليست مجرد منافسة، بل وسيلة لبناء جسور الثقة، واستحضار الذاكرة المشتركة، وتعزيز قيم التضامن، التسامح، والحرية.
حين يظهر لومومبا في المدرجات، فإن الرسالة تتجاوز كرة القدم، لتؤكد أن إفريقيا لا تنسى رموزها، وأن وحدتها تُبنى بالذاكرة، وتتعزز بالتنمية، وتتوحد بالرياضة……..:
☆بقلم : محمد الغياط
☆باحث في مهن الإعلام والصناعية .الرباط المغرب في 6\1\2026.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.