هذا ما كان ف الكان: الأقنعة التي أسقطها اعتراض الحكم – الحلقة 29/17

0

الگارح ابوسالم

لم تكن لقطة الدقيقة الأخيرة في مباراة المغرب وتنزانيا مجرد حالة تحكيمية عابرة، بقدر ما تحوّلت إلى مرآة عاكسة لطبقات من النوايا والمواقف المسبقة والرهانات النفسية التي تحيط بالمنتخب المغربي كلما اقترب من لحظة الحسم. فبعيدًا عن ضجيج “ضربة الجزاء” المزعومة، كشفت هذه الواقعة عن حقيقة أعمق تتعلق بمن يقف مع المغرب حين يفوز، ومن لا يتحمله حين ينتصر،

لقد اعتاد المغرب، عبر تاريخه الكروي، أن يقف إلى جانب غيره بصدق لا بمنطق المصالح الظرفية. دعم المصريين في أكادير لم يكن مجاملة، بل التزامًا جماهيريًا أخلاقيًا، والوقوف إلى جانب تونس والجزائر في محطات قارية سابقة لم يكن استثمارًا سياسيًا، بل تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن كرة القدم الإفريقية لا تُبنى إلا بالتضامن. غير أن ما أعقب هذه اللقطة بالذات فضح هشاشة هذا “الدعم المتبادل”، وكشف أن بعض الأصوات كانت تنتظر فقط لحظة سقوط المغرب لا أكثر.
الأخطر في هذا الجدل لم يكن الخلاف حول قرار تحكيمي، فذلك جزء طبيعي من اللعبة، بل محاولة صناعة سردية ظلم غير موجودة، وتحويل لقطة تقنية معزولة إلى قضية أخلاقية كبرى، وكأن المغرب فجأة صار هو المستفيد من التحكيم، بعد عقود طويلة كان فيها الطرف الأكثر تضررًا منه داخل القارة وخارجها.
وفقًا لقوانين اللعبة المعتمدة من مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، فإن احتساب ركلة جزاء يفترض توفر احتكاك واضح وتأثير مباشر يؤدي إلى إسقاط اللاعب، وبالعودة إلى اللقطة المثيرة للجدل تُظهر الإعادة البطيئة أن اللاعب التنزاني بدأ حركة السقوط قبل حدوث أي احتكاك فعلي مع آدم ماسينا، وهو ما يُصنّف تحكيميًا ضمن ما يُعرف بالسقوط الاستباقي، باعتباره محاولة تمويه لا ترقى إلى خطأ يستوجب ركلة جزاء، وهو ما يجعل قرار الحكم منسجمًا تمامًا مع التوجيهات التحكيمية الحديثة التي تشدد على محاربة التحايل حتى في أدق اللحظات.

المفارقة اللافتة أن من يرفعون اليوم شعار “الظلم التحكيمي” هم أنفسهم من صمتوا، بل واحتفوا، بقرارات تحكيمية مجحفة حين كانت تخدم مصالحهم، في تاريخ إفريقي معروف تحوّل فيه التحكيم في فترات معينة إلى أداة ضغط داخل أروقة الكاف، حيث كانت القرارات تُفصّل أكثر مما تُحتسب. وإذا كان هناك منتخب يملك شرعية الحديث عن الظلم التحكيمي، فهو المنتخب المغربي، الذي عايش عبر مساره الكروي سلسلة متواصلة من الأخطاء المؤثرة، بدءًا من نصف نهائي أمام مصر حين نُفذت ضربة خطأ دون انتظار صافرة الحكم وسُجّل منها هدف حاسم رغم احتجاج اللاعبين، مرورًا بكأس إفريقيا سنة 2004 التي ضاع فيها اللقب بسبب قرارات تحكيمية مؤثرة، ثم مونديال روسيا 2018 حيث حُرم المنتخب المغربي من ضربتي جزاء واضحتين ساهمتا بشكل مباشر في الإقصاء من الدور الأول، وصولًا إلى مونديال قطر 2022 الذي توقّف فيه الحلم عند نصف النهائي في ظل قرارات جدلية، ثم الألعاب الأولمبية باريس 2024 التي غادرها المغرب من الدور نصف النهائي في سياق تحكيمي مثير للنقاش، إضافة إلى نهائي كأس إفريقيا للسيدات الذي خسره المنتخب المغربي أمام جنوب إفريقيا بعد تدخلات تحكيمية وُصفت حينها بالواضحة.
ورغم هذا التراكم، لم يتحول المغرب يومًا إلى منتخب يعيش على خطاب المظلومية، بل اختار العمل والبناء والتراكم، وفضّل الرد داخل الملعب بدل اللجوء إلى الضجيج خارجَه. غير أن الخطر الحقيقي في هذا المشهد لم يكن هجوم الخصوم، بل اندفاع بعض الأصوات من الداخل لتبنّي خطاب التشكيك نفسه، وكأن الوطنية عبء يجب التخلص منه عند أول اختبار، خصوصًا حين يُستغل هذا الخطاب ليصرّح مدرب تنزانيا بأن بعض الجماهير المغربية نفسها تحدثت عن ضربة جزاء، فيُمنح الخصم أقوى ورقة ضغط دون حاجة.
وفي المغرب نقول “مول النية يربح”، لا لأن النية وحدها تصنع الفوز، بل لأنها تكشف معادن الناس عند الامتحان، وقد كشفت هذه اللقطة من كان ينتظر تعثر الأسود بدافع الإنصاف، ومن كان ينتظره بدافع الحسد أو الخوف أو الحسابات الضيقة.

وبإجماع مختصين في التحكيم ووفق قراءة تقنية محايدة، لا وجود لأي ركلة جزاء لمنتخب تنزانيا، بل إن المباراة نفسها شهدت لقطات أخرى لصالح المنتخب المغربي، من بينها ركلة جزاء وبطاقتان حمراوان لم يتم احتسابهما، دون أن تتحول إلى مادة للضجيج أو الاتهام. تنزانيا أُقصيت وانتهى النقاش رياضيًا وقانونيًا، أما المغرب فماضٍ في طريقه بثبات، لا يبحث عن رضا أحد ولا يخشى كره أحد، لأن التاريخ لا يكتب رواية المتذمرين، بل يسجّل مسار المنتصرين.
البطولة لا تُمنح… بل تُنتزع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.