هذا ما كان ف الكان المغرب والكاميرون ..حتى نمحو ذكريات سنة 1988 – الحلقة 29/16

0

الگارح ابوسالم

إن تأكد أن المنتخب المغربي سيواجه نظيره الكاميروني، عقب تفوق هذا الأخير على منتخب جنوب إفريقيا، حتى استُدعيت إلى الواجهة ذاكرة كروية يصعب تجاوزها، تعود إلى سنة 1988. لم يكن ذلك استدعاءً عاطفيًا بقدر ما كان استحضارًا لمحطة مفصلية، حين وجد المغرب نفسه، آنذاك، في وضعية مشابهة لما يعيشه اليوم: بلد منظم لكأس الأمم الإفريقية، وجمهور متحمس، وآمال كبيرة معلقة على تحقيق لقب قاري ثانٍ فوق أرضه.

في تلك النسخة، بلغت التطلعات ذروتها قبل أن تصطدم بطموح كاميروني يعرف كيف يحسم المباريات دون أن يكون مطالبًا بالإقناع. مباراة نصف النهائي لم تُحسم بفارق المستوى، بل بفارق التفاصيل، في زمن كانت فيه كرة القدم الإفريقية تُدار بأدوات مختلفة: لا تقنية فيديو، ولا هامش واسع للاعتراض، ولا حماية كافية للاعبين الذين يعتمدون على المهارة أكثر من الالتحام البدني. قرارات تحكيمية كانت، في كثير من الأحيان، قاسية على هذا الصنف من المنتخبات، ضمن سياق عام لم يكن بريئًا من تأثير الكواليس.
ولا يمكن استحضار تلك المرحلة دون التأكيد على أن كرة القدم الإفريقية آنذاك كانت تُسَيَّر بمنطق مغاير لما نعرفه اليوم. التحكيم لم يكن دائمًا في موقع الحياد، والمنتخبات القادمة من عمق القارة بنت جزءًا من تفوقها على القوة البدنية والضغط العالي، في ظل غياب حماية حقيقية للاعبين الموهوبين. كان ذلك واقعًا قائمًا، لا ذريعة، لكنه يظل عنصرًا من عناصر تفسير إخفاقات لم تكن، في كثير من الأحيان، رياضية خالصة.
اليوم، تغيّر المشهد جذريًا. تغيّرت كرة القدم الإفريقية، وتغيّر معها المنتخب المغربي. لم يعد المغرب يدخل هذا النوع من المواجهات محمّلًا بعقدة التاريخ، ولا بمنطق تصفية الحساب مع الماضي، بل بعقلية منتخب كبير، يدرك قيمته، ويملك أدوات اللعب الحديثة، والقدرة على فرض أسلوبه، وقراءة خصومه بعين تحليلية هادئة، لا بعاطفة متوترة.

من هنا، تتضاعف مسؤولية وليد الركراكي، لأن هذه المباراة لا تُربح بالأسماء الوازنة وحدها، ولا بصفة الاستضافة. ما سيحسمها فعليًا هو الذكاء التكتيكي، التحكم في إيقاع اللعب، وضبط الجانب النفسي. المنتخب الكاميروني يُجيد استثمار أخطاء خصمه، ويبرع في الضغط على الأعصاب أكثر مما يُبدع في البناء الهجومي. وكسر هذه المعادلة يمر عبر الصبر، والانضباط، وعدم الانجرار إلى معارك جانبية لا تخدم سوى الخصم.
بالتالي، فإن مواجهة الكاميرون ليست معركة مع الماضي، بل اختبار للحاضر، وامتحان لنضج كروي مغربي يُفترض أن يُحسم فوق المستطيل الأخضر. الفوز في مثل هذه المباريات لا يتحقق بالاندفاع، بل بالعقل، وبالهدوء، وبحسن قراءة الخصم. وإذا ما أُديرت المواجهة بهذه المقاربة، فإن وضع القدم الأولى في المربع الذهبي يصبح هدفًا واقعيًا، والتتويج حينها نتيجة طبيعية لمسار متزن.

وفي سياق متصل، يصعب المرور دون التوقف عند خروج مدرب جنوب إفريقيا من المنافسة خالي الوفاض، في نتيجة بدت منطقية بالنظر إلى اختياراته. فبدل التركيز على إعداد فريقه ومعالجة نواقصه، اختار الانشغال بمهاجمة المغرب، ملاعبه، أجواءه، تنظيمه، وحتى جمهوره. انتهت المغامرة سريعًا، وغادر المنافسة كما دخلها: بضجيج إعلامي أكثر منه مشروعًا تقنيًا، ليشد الرحال ويترك خلفه خطابًا لم يصمد أمام واقع الميدان.

ومن زاوية أخرى لا تقل أهمية، وفي الوقت الذي كانت فيه قلوب المغاربة تخفق اعتزازًا بمنتخبهم الوطني عقب الانتصار المستحق على تنزانيا، وقبلها تجاوز دور المجموعات، أبت فئة من “صيادي الفرص” إلا أن تُعكّر صفو هذا العرس الكروي. ويتعلق الأمر ببعض أرباب المقاهي الذين اختاروا تحويل الفرحة الجماعية إلى غنيمة تجارية، ضاربين القانون وأخلاقيات المهنة عرض الحائط.
فقد فوجئ مواطنون بفرض تسعيرات غير قانونية على المشروبات، حيث قفز ثمن القهوة بشكل مفاجئ، فقط لاستغلال الظرفية الرياضية وشغف الجماهير. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين دور مراقبي الأسعار؟ أين جمعيات حماية المستهلك؟ وأين لجان المراقبة المختصة؟ أليس من واجبها التدخل لحماية المواطن من هذا الجشع، الذي لا يسيء فقط للمستهلك، بل يُسيء أيضًا لصورة الاحتفال وروح الانتماء الجماعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.