الگارح ابوسالم
الحكاية لم تبدأ مع استقبال المغرب لنهائيات كأس إفريقيا للأمم، بل بدأت قبل ذلك بسنوات، حين اختار المغرب – بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين – أن ينظر إلى إفريقيا لا كامتداد جغرافي فقط، بل كقدر مشترك، وكعائلة كبرى لا تُدار بالمصالح الظرفية، بل بالحكمة، والاحتواء، وبناء الإنسان قبل بناء الملاعب.
اليوم، ونحن نتابع مشاهد الكان في المغرب، ندرك أن ما يجري داخل الملاعب وخارجها ليس احتفالًا رياضيًا عابرًا، بل تتويج لمسار طويل من الرؤية الملكية الثاقبة، مسار جعل من هذه البطولة لحظة كشف عمّا راكمه المغرب بصمت، وعمّا زرعه بالأفعال لا بالشعارات، حتى أينع الآن في شكل فرح إفريقي جماعي غير مسبوق.

في مدرجات الملاعب ، لا تسأل عن الجنسيات، الأهازيج تختلط، الأعلام تتعانق، والوجوه الإفريقية تذوب في بحر الجماهير المغربية، لا كضيوف، بل كأهل الدار. مشجعون من جنوب إفريقيا، من السنغال، من الكوت ديفوار، من نيجيريا، من تونس و مصر والجزائر والسودان ،ومن دول لم تكن بالأمس القريب ترى في المغرب سوى بلد عبور، أصبحوا اليوم يهتفون باسمه، ويدافعون عنه، ويشعرون أنهم جزء من نبضه.
هذا الانصهار لم يولد فجأة.
إنه نتيجة سياسة إدماج سبقت الكرة بسنوات، حين فتح المغرب لطلبة أفارقة أبواب جامعاته، و مهاجرون احتضنتهم أحياؤه، و علاقات جنوب–جنوب بُنيت على الاحترام والتكامل، وخطاب ملكي أعاد لإفريقيا مكانتها في الوعي المغربي، وللمغرب مكانته في القلب الإفريقي.
وحين جاءت كأس إفريقيا، لم يكن المغرب في حاجة إلى التكلف لخلق الأجواء، لأن الأجواء كانت موجودة أصلًا، و الفرح كان جاهزًا، والقبول كان متجذرًا، والانتماء كان قد صُنع سلفًا.
في الشوارع، ترى المشجع الإفريقي وهو يرقص على إيقاع كناوة، أو يشارك المغاربة احتفالهم، أو يردد كلمات من الدارجة المغربية بضحكة تلقائية. وفي المقاهي، لا فرق بين من يشجع المنتخب المغربي ومن جاء ليشجع منتخب بلاده؛ الجميع يعيش اللحظة بروح واحدة. هنا، تتحول الرياضة إلى لغة جامعة، وتتحول السياسة الملكية الحكيمة إلى شعور يومي ملموس.

أما التصريحات الصحفية ، فكانت بدورها شهادة حيّة. مشجعون أفارقة ولاعبون ومسؤولون، يتحدثون عن التنظيم، عن الأمن، عن الاحترام، عن دفء الاستقبال… ثم يختمون، دون تنسيق ولا إعداد، بذكر جلالة الملك ، وبالدعاء له، وبالإشادة بدوره في جعل المغرب بلدًا يشعر فيه الإفريقي بكرامته. هذا الثناء العفوي ليس مجاملة، بل اعتراف بحقيقة عاشوها، ولمسوها، وتحركت في وجدانهم.
حتى القادمون من دولهم خصيصا لحضور المباريات، وجدوا أنفسهم مندمجين منذ اليوم الأول، وكأنهم لم يعبروا حدودًا، بل عادوا إلى فضاء مألوف. داخل الملاعب، صاروا جزءًا من الجمهور المغربي، يهتفون للمنتخب الوطني حين يلعب، ويدافعون عنه في النقاشات، لأنهم شعروا – ببساطة – أنهم مِنّا.
هنا تتجلى عبقرية الرؤية الملكية الاستباقية ،التي جعلت الإفريقي لا يشعر أنه مُستضاف، بل مُحتضن.
وأن يتحول التنظيم المحكم إلى قيمة إنسانية، لا مجرد إنجاز تقني.
وأن تتحول كأس إفريقيا إلى منصة تُظهر للعالم أن المغرب الإفريقي ليس شعارًا سياسيًا، بل واقعًا معاشًا.
الكان في المغرب لم تُبرز فقط قوة الملاعب، بل قوة الاختيار. اختيار الحكمة بدل الارتجال، والعمق بدل السطح، والاستثمار الطويل بدل المكاسب السريعة. واليوم، تُجسّد هذه البطولة أن من يزرع الثقة، يحصد الانتماء، ومن يفتح قلبه لإفريقيا، يجدها واقفة إلى جانبه في لحظة الفرح.

خلاصة حلقة اليوم من “هذا ما كان في الكان” تريد ان ابرز ، أن ما نراه من فرح إفريقي، ومن انصهار ثقافي، ومن عشق واضح للمغرب وملكه، ليس وليد بطولة، بل ثمرة مسار ملكي حكيم سبق الزمن، واليوم فقط فهمنا معناه كاملًا.
إنها كرة قدم، نعم…
لكنها قبل ذلك، حكمة ملك ، تصفق لها القارة بأكملها.
والله يحفظ مولانا امير المؤمنين ، ويحفظ المغرب في عمقه الإفريقي، ويحفظ إفريقيا في قلب المغرب

