لماذا لا نكرم الصحفي ولا نسمعه شخصية السنة؟ يلقي الضوء على المجتمع ويظل في الظلام
الكارح أبو سالم
يعتبر الصحفي في المغرب كما اغلب بلدان العالم كشافا للضوء يسلط الشعاع على الآخرين ، بينما يظل قابعا في الظل خلف الحاسوب إن كان محررا أو الكاميرا إن كان مصورا أو بالمكتب إن كان مشرفا ، إنه ياسادة الجرح الغائر الذي يسيل دما في مهنة المتاعب .
فالكل يعلم ان الصحفي (ة) تجده يهرع نحو السبق في الاحداث، مستعملا امكانياته ومصادره الخاصة عدا تلكم المتوفرة من طرف الجهة المشغلة والتي عادة ماتكون هزيلة إن لم نقل غائبة للوصول إلى المصدر ، سواءا عن طريق هاتفه المحمول أو التنقل إلى الجهة المعنية على حسابه الشخصي او مجالسة أفراد بالمقاهي إلى غير ذلك من طرق الاشتغال ، ويبادر لنشر مقالات ذات عناوين يرى انها مثيرة تجلب القارئ ، سرعان ما يأفل نجمها لتجده يقاوم من جديد للتعجيل بموضوع آخر ، وهكذا دواليك .

ومع حلول كل رأس سنة ، تجد اغلب الصحافيين يجتهدون في توجيه أقلامهم صوب ما يصطلح عليه ” شخصية السنة ” وقد يتفق معه القارئ أو يختلف ، فقد يجده هذا في أخنوش والآخر في الحموشي او سياسي او نقابي والآخر في مغني مطرب معين ، وآخر في لاعب رياضي ، ووووو، وغالبا ما تتكرر نفس الشخصيات في كل سنة ، فهل لها علاقة بولاءات معينة ، أو إشهار خفي ، أو أن العادة جرت على هذا المنوال ولم يجدوا بدا من التحرر من التبعية التي لاتجدي شيئا إذا ما تحولت إلى إطناب أجوف ، لان في نهاية الأمر،فتلكم الشخصية السنوية المبهرة في نظر البعض ، والعادية في نظر البعض الآخر ماهي سوى وطائف سامية تؤدي واجبها القانوني المفروض ، وتستخلص مستحقاتها الشهرية من مالية الخزينة ، فيما يتساءل آخرون عمن هم شخصيات السنة في الفشل ، الشخصيات التي هضمت حقوق شعب بأكمله، شخصيات نهبت المال العام ولاتزال حرة طليقة لم تسري عليها فصول الدستور المتعلقة بربط المسؤولية بالمحاسبة ولا بالفصول الجنائية لاختلاس الاموال العمومية ولا بالإثراء غير المشروع .

إذن هل سيأتي حين من الدهر لنجد عامل القمامة شخصية السنة ؟ هل سنطالع ذات يوم مقالا يتحدث عن بائعة الخبز والرغيف شخصية السنة لما تبذله من جهد ونجاح في اداء كراء بيتها شهريا ومصاريف تمدرس أبناءها وتكلفة الماء والكهرباء والعيش والأمراض؟ ألن نجد يوما مقالا يسلط الضوء على ذلكم العسكري المرابض في ثخوم الصحراء أو عنصر القوات المساعدة المجابه المطارد لما يمس امن الدولة شخصية السنة ؟ أو الشرطي أو عنصر الوقاية المدنية أو حارس مكتب الوزير أمين السر ، إلى غير ذلك من المهام التي ينظر اليها أنها متدنية ، لكنها في حقيقة الأمر تعتبر عمودا فقريا في مجال اشتغالها داخل المجتمع ، وفي نفس الآن ، أين هو الصحفي من كل هذا وذاك ضمن وجوه ” شخصية السنة “؟
تغييب الصحفي ضمن منظومة شخصية السنة، تعود بالأساس اليه ، فلسفيا هو من يوجه فوهة بندقية قلمه إلى الأشخاص دون نفسه أو زملائه ، فدوره نقل الحدث وليس صناعته ، لانه في حقيقة الأمر يتعب في البحث عن تكريم شخصية السنة ويحولها إلى نجم ، وبالتالي تفقد المادة الصحفية بريقها وموضوعيتها ، ويظن أن غياب الصحفي عن منصة التتويج نوع من الزهد المهني لاكتساب صدقية العمل.
ان الصحافة الحقيقية – من وجهة نظري- هي التي تبحث عما يبحث عنه الشعب ، وعن المسكوت عنه ، وأن يتعلم فنون الهدنة مع السلطة التي يزعجها القلم الجريئ ، وأن يعلم أن الجهات الرسمية يصعب عليها تكريم الصحفي فقد يستأسد عليها غدا، لان تكريمه هو اعتراف ضمني أن انتقاداته اللاذعة حقيقية .
وبالعودة إلى ماتقوم الحكومة من مسابقات سنوية يتيمة ” الجائزة الكبرى للصحافة ” ولاندري أسباب تسميتها ” بالكبرى” فهي في نفس الوقت مؤسسات إعلامية بالنظر لتكوين اللجان ومهامهم الصحفية ،بعد تسليم الجائزة ينطفئ ضوء الاحتفالية في انتظار السنة الموالية ، ألا يعد الفائزون بمتابة شخصيات السنة في المجال الذي تم تتويجهم فيه ؟
لذا فإن التكريم المعنوي للصحفي في الحقيقة هو ما ينتجه من عمل جاد على مستوى السبق والتأثير في الرأي العام ، والتفكير بلغة ثقافة الاعتراف في تكريم الصحافيين الذين رحلوا إلى دار البقاء ، فللأسف لن تجد ضمن فقرات التقييم السنوي جردا للائحة الصحافيين الذين رحلوا عنا إلى دار البقاء رغم توفر اللائحة لدى جمعية الأعمال الاجتماعية والنقابة ، لكن للأسف المجتمع يتذكر الصحفي فقط عندما يجازف بحياته في سبيل حقيقة المعلومة، وقد يجد نفسه محاصرا غير مرغوب فيه من جهات حساسة نظرا لمقالة سابقة لسنوات عدة اضفت عليه طابع التهميش لا التكريم ، وبالتالي لن يصل الجيل الحالي ولا ربما القادم إلى التملص من نكران دوره الطلائعي وتبوء كرسي التكريم ، سيظل الشمعة التي تحرق جسمها لتضيئ محيطها .

