الكارح ابو سالم
السؤال ليس حرامًا. بل أحيانًا يكون السؤال هو آخر ما تبقى من فضيلة في زمن تصمت فيه الأرقام وتُدفن فيه الملايين تحت ركام الحديد المفكك. وأنا، مثل كثيرين، أمر صباح مساء بمحاذاة الساحة التي يحتضن جزءًا منها مهرجان موازين في الرباط ، فأشاهد المشهد ذاته يتكرر بمللٍ مكلِف: شاحنات، رافعات، عمال يركّبون هياكل حديدية ضخمة، خيامًا مؤقتة، ألواحًا، منصات، تجهيزات كهربائية… أسبوعان أو أكثر من التركيب المتواصل، وكأننا نبني مدينة من معدن. ثم يُفتتح معرض لوزارة ما، تمضي أيامه المعدودة، وتبدأ عملية الهدم. يُفكك كل شيء كما لو أنه لم يكن، لكنّه كان. وكان مكلفًا.

ثم لا تمر سوى أيام قليلة حتى نعود إلى نقطة الصفر: معرض جديد، صفقة جديدة، تركيب جديد، ملايين جديدة تُصرف على الشاربونت والكراء والنقل والحراسة والتأمين والإنارة، ثم تفكيك جديد. دورة عبثية مكتملة الأركان. اقتصاد قائم على البناء المؤقت والهدم السريع، لا على الاستثمار المستدام.
وفي نفس المكان اصبح ، يقام المعرض الدولي للكتاب ،حيث تتكرر الصورة ذاتها: مساحات تُسوَّر بالحديد، تجهيزات تُنصب من الصفر، ثم تُزال بالكامل. والغريب أن المغرب كان يتوفر لسنوات على فضاء قار للمعارض في الدار البيضاء وهو مكتب معارض الدار البياضات وهي بناية مخصصة، مجهزة، استضافت تظاهرات وطنية ودولية كبرى. لماذا جرى تهميشها؟ ولماذا فضّلنا منطق “الخيمة الكبرى” على منطق البنية التحتية الدائمة؟
هل يعقل أن نصرف كل سنة ميزانيات ضخمة على تركيب هياكل مؤقتة، بينما كان يمكن توجيه جزء يسير منها لإنجاز فضاءات عرض عصرية ثابتة في الرباط أو الدار البيضاء أو أي مدينة أخرى؟ فضاءات تُستعمل على مدار السنة، تُدرّ مداخيل، وتختزل كلفة التركيب والهدم المتكرر؟ أليست هذه أبسط قواعد الحكامة؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد خيار تنظيمي، بل هو تصور كامل لتدبير المال العام: منطق “الحدث” بدل منطق “المؤسسة”. نبني للعرض، لا للاستمرار. نصرف بسخاء على المؤقت، ونتردد في تمويل الدائم. نُغرق الميزانيات في الكراء والتركيب، بدل أن نُراكم أصولًا عقارية وتجهيزية تخدم أجيالًا.
ثم هناك سؤال آخر أكثر حساسية: لماذا تتكرر أسماء الشركات نفسها في هذه الصفقات؟ لماذا يبدو أن سوق الهياكل المعدنية والخيام الكبرى محتكر ضمن دائرة ضيقة؟ هل نحن أمام تنافس شفاف فعلًا، أم أمام شبكة امتيازات تتقن فن الظفر المتكرر بالعقود العمومية؟
الأمر لا يتعلق فقط بملايين تُصرف هنا أو هناك، بل بثقافة كاملة في تدبير الشأن العام. حين نعتاد على تفكيك ما بنيناه قبل أن يبرد حديده، فنحن لا نهدر المال فقط، بل نهدر فكرة التخطيط نفسها. التخطيط الذي يفترض أن يسأل: ما الجدوى؟ ما الاستدامة؟ ما الأثر بعيد المدى؟
لسنا ضد المعارض، ولا ضد التظاهرات الثقافية أو الاقتصادية. بالعكس، هي ضرورة حضارية وتنموية. لكن ضد العبث نعم. ضد أن يتحول الفضاء العمومي إلى ورش دائم للهدم والبناء المؤقت، وكأننا ندور في حلقة لا تنتهي من الصفقات الموسمية.

السؤال ليس حرامًا: أليس من الأولى أن نقف وقفة تقييم شجاعة لهذا النموذج؟ أليس من واجب الوزارات المعنية أن تبرر للرأي العام لماذا تُفضّل صرف الملايين على هياكل تُفكك بعد أيام، بدل استثمارها في منشآت قارة؟ أليست الحكامة تعني ترشيد الإنفاق، وضمان الشفافية، وتكافؤ الفرص، ومراقبة تضارب المصالح؟
ما نراه اليوم هو قمة الاستهتار بالمنطق الاقتصادي، إن لم نقل استسهالًا مريبًا في تبديد المال العام تحت غطاء “التظاهرة”. وحين يتكرر المشهد كل عام، بنفس الكلفة، ونفس الشركات، ونفس النهاية الحديدية المفككة، يصبح الصمت شراكة غير معلنة.
السؤال ليس حرامًا. الحرام هو أن يتحول المؤقت إلى قاعدة، والهدر إلى عادة، والسكوت إلى سياسة قائمة .
