الكارح أبو سالم
سوق الدواء في المغرب يعيش توتراً متصاعداً، تجلّى أخيراً في المواجهة المفتوحة بين نقابات الصيادلة ومجلس المنافسة على خلفية تقرير حول بنية السوق وهوامش الربح. بعيداً عن لغة البلاغات المتشنجة، من الضروري مقاربة الموضوع بقدر من الصدقية والاتزان، لأن ما هو على المحك ليس صورة مؤسسة أو مهنة، بل حق المواطن في الولوج إلى دواء آمن وبسعر معقول.
تقرير مجلس المنافسة أثار نقاشاً مشروعاً حول مستوى التركّز في بعض حلقات سلسلة الدواء، وحول طبيعة المنافسة بين الفاعلين. السوق الدوائية، بحكم حساسيتها، لا تخضع لمنطق العرض والطلب وحده، بل تتداخل فيها اعتبارات صحية وأخلاقية وتنظيمية. وجود عدد محدود من المختبرات أو الموزعين في بعض الفئات الدوائية قد يؤدي فعلاً إلى ضعف المنافسة، وهو ما يستدعي يقظة تنظيمية مستمرة. في المقابل، لا يمكن اختزال المشهد في اتهام عام للصيادلة، لأنهم الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة لا يتحكمون في جميع عناصرها.
هوامش الربح في الصيدليات محددة بنصوص تنظيمية، والصيدلي يشتغل داخل إطار قانوني واضح. غير أن الإشكال لا يتوقف عند نسبة الهامش، بل يتعلق أيضاً بكلفة التزويد، ونظام التسعير، وحجم الاستهلاك، وأعباء التسيير. هناك صيدليات تعاني من صعوبات مالية حقيقية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية المحدودة، كما أن هناك تفاوتاً في المردودية بين المدن الكبرى والمناطق القروية. لذلك فإن أي إصلاح يجب أن يميز بين وضعيات مختلفة، وألا يُحمّل فئة واحدة مسؤولية اختلالات مركبة.
في المقابل، من الصعب إنكار أن أسعار بعض الأدوية ما تزال مرتفعة بالنسبة لفئات واسعة من المواطنين، خصوصاً قبل تعميم التغطية الصحية أو في ما يخص الأدوية غير المشمولة بالتعويض الكامل. المواطن البسيط لا ينشغل بتفاصيل التقارير، بل يسأل سؤالاً مباشراً: لماذا أجد صعوبة في شراء دوائي؟ هذا السؤال يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة، من سلطات تنظيمية، إلى فاعلين صناعيين، إلى موزعين وصيادلة.
التصعيد الذي لوّحت به بعض النقابات عبر التهديد بإضراب وطني شامل يعكس شعوراً بالاستهداف أو التهميش في مسار النقاش، لكنه في الوقت نفسه يطرح إشكالاً عملياً: أي توقف جماعي سيؤثر مباشرة على المرضى، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة. لذلك يبدو الحوار المؤسساتي المنظم أكثر جدوى من منطق شد الحبل، خاصة في قطاع يرتبط بالأمن الصحي للمواطنين.
الإصلاح الحقيقي لسوق الدواء لا يمكن أن يكون جزئياً. هو يتطلب تعزيز الشفافية في جميع حلقات السلسلة، تشجيع الأدوية الجنيسة ذات الجودة، مراقبة أي ممارسات قد تحدّ من المنافسة، وضمان استدامة شبكة الصيدليات، خصوصاً في المناطق الهشة. كما يقتضي إشراك المهنيين في أي مراجعة تنظيمية، لأن نجاح أي سياسة عمومية يرتبط بمدى قبول الفاعلين بها.
الدواء ليس سلعة عادية، بل مرفق حيوي يمس كرامة الإنسان وصحته. لذلك فإن النقاش حول أرباح أو احتكار أو لوبيات يجب أن يتحول من تبادل اتهامات إلى ورش إصلاح واضح المعالم، يوازن بين استمرارية المهنة وحماية القدرة الشرائية للمواطن. المعيار في النهاية بسيط: هل يخرج المريض من الصيدلية مطمئناً إلى توفر دوائه وبسعر معقول؟ إذا لم يتحقق ذلك، فهناك خلل يجب الاعتراف به ومعالجته بجرأة ومسؤولية
