الساعة بين رمضان وباقي السنة: نقاش يتجاوز ستين دقيقة

0

الكارح أبو سالم 

التفريق بين رمضان وباقي السنة ضروري لفهم الجدل حول التوقيت المعتمد في المغرب. في رمضان، عودة الساعة تُفهم اجتماعياً لأنها تنسجم مع إيقاع مختلف للحياة: سهر للسحور والعبادات، تغير في نمط النوم، خروج قبيل الإفطار، ومرونة زمنية غير معلنة في العمل. المجتمع كله يعيد ترتيب يومه، لذلك يبدو تعديل التوقيت منسجماً مع هذا التحول الجماعي المؤقت.

لكن خارج رمضان تعود الإشكالية الحقيقية. السؤال لا يتعلق بعقارب الساعة في حد ذاتها، بل بمدى توافق التوقيت الدائم (GMT+1) مع الإيقاع الطبيعي للمغاربة طيلة السنة. هنا يبدأ النقاش الجدي، لأن الأمر لم يعد مرتبطاً بشهر استثنائي، بل بحياة يومية تمتد اثني عشر شهراً.

أبرز مظاهر الإشكال تظهر صباحاً. خلال أشهر طويلة، يبدأ الأطفال يومهم الدراسي في ظلام دامس، خصوصاً في المناطق القروية وشبه الحضرية. الساعة القانونية تقول الثامنة، لكن بيولوجياً هي السابعة. هذا الفرق البسيط نظرياً ينعكس عملياً في اضطراب النوم، وضعف التركيز، وإرهاق مبكر قد يؤثر على التحصيل الدراسي. النقاش هنا ليس عاطفياً، بل علمي، مرتبط بإيقاع الساعة البيولوجية وتأثير الضوء الطبيعي على اليقظة والانتباه. لذلك يبرز سؤال جوهري: هل نحن نُكيّف المجتمع مع الساعة أم نُكيّف الساعة مع المجتمع؟

حتى إذا افترضنا وجود مكاسب طاقية من اعتماد هذا التوقيت، فإن الكلفة الاجتماعية تستحق النقاش. كم تتحمل الأسر من عبء إضافي لإعادة تنظيم يومها؟ ما أثر الخروج في الظلام على السلامة الطرقية؟ وهل توجد دراسات شاملة توازن بين الوفر الاقتصادي المحتمل والضغط الاجتماعي الملموس؟ القرارات التقنية تصبح إشكالية عندما تُختزل في حسابات كهربائية، بينما يُهمَل أثرها الإنساني اليومي.

تزداد المسألة تعقيداً عندما ننظر إليها من زاوية العدالة المجالية. المدن الكبرى قد تتأقلم نسبياً مع الإيقاع الجديد، لكن في القرى والمناطق الجبلية حيث المسافات طويلة والنقل المدرسي محدود، يصبح الخروج قبل الشروق عبئاً حقيقياً. القرار موحد على المستوى الوطني، لكن أثره غير موحد على المستوى الترابي.

كل ذلك يعيدنا إلى سؤال الحكامة. لماذا يعود الجدل كل سنة؟ لو كان القرار محسوم الجدوى ومسنوداً بدراسات مقنعة ومتواصلة، لما تكررت موجات النقاش بنفس الحدة. الإشكال لا يكمن في ستين دقيقة، بل في منهجية اتخاذ القرار، وفي ضعف التواصل المقنع، وفي محدودية إشراك الفاعلين الاجتماعيين والتربويين والصحيين في تقييمه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.