الكارح ابو سالم
إن ما تعيشه شغيلة القناة الثانية اليوم ليس معزولاً عن السياق العام الذي يطبع الإعلام العمومي برمته. فالتماطل في تنزيل مشروع الهولدينغ العمومي، الذي قُدِّم باعتباره مدخلاً لإعادة الهيكلة وضمان الحكامة والنجاعة، تحوّل من أفق إصلاحي إلى عامل ارتباك إضافي. والنتيجة أن الأزمة لم تعد تخص مؤسسة بعينها، بل أصبحت سمة مشتركة بين مختلف مكونات القطاع.
فإذا كانت القناة الثانية قد امتلكت الجرأة لطرح قضاياها الداخلية إلى العلن، عبر نقاش نقابي مسؤول ومؤطر تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، فإن الأوضاع داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لا تقل تعقيداً، بل إن عدداً من المتقاعدين هناك يعيشون وضعيات اجتماعية أكثر هشاشة، في ظل اختلالات تطال مساراتهم المهنية والاجتماعية. أما ميدي 1 تيڤي ،فهي الأخرى ليست بمنأى عن نفس الأعطاب البنيوية، غير أن الصمت المؤسساتي يظل سيد الموقف.
إن ما يكشفه هذا الوضع هو أن الأزمة لم تعد تقنية أو ظرفية، بل أصبحت أزمة رؤية وتدبير. فالإعلام العمومي اليوم في حاجة إلى وقفة حقيقية تقطع مع منطق تدبير الوقت والرهان على الذاكرة المنهكة للشغيلة. ما عاشه القطاع في السنوات الأخيرة أبرز بوضوح أن أي إصلاح شكلي أو تجميلي لن يكون كافياً، وأن المطلوب هو مقاربة عقلانية شاملة، تعيد الاعتبار للرأسمال البشري باعتباره عماد المؤسسة وليس عبئاً عليها.
الجمع العام التواصلي لشغيلة القناة الثانية، المنعقد يوم 16 فبراير 2026، لم يكن مجرد محطة مطلبية عابرة، بل كان تعبيراً عن وعي جماعي بضرورة الإنصاف وإعادة التوازن. فتجميد التوظيف لسنوات طويلة أفرز مفارقة مهنية غير مقبولة: مهنيون يمارسون نفس المهام، يتحملون نفس المسؤوليات، لكن دون أن يستفيدوا من نفس الحقوق. أقدمية تتجاوز عشرين سنة لدى بعض غير المرسمين، دون إدماج أو استقرار مهني، في مشهد يختزل هشاشة السياسات البشرية داخل القطاع.
المطالب التي رفعتها الشغيلة – من تسوية فورية لوضعية غير المرسمين وفق معايير شفافة قائمة على الأقدمية والخبرة، إلى الزيادة العامة في الأجور، وتسوية متأخرات الصناديق الاجتماعية، والحفاظ على الخدمات الاجتماعية وتطويرها – ليست مطالب فئوية ضيقة، بل هي شروط دنيا لاستعادة الثقة داخل مؤسسة يفترض أن تكون واجهة الإعلام العمومي الوطني.
غير أن الإشكال الأعمق يكمن في غياب إشراك فعلي لممثلي الشغيلة في عملية هيكلة القطب العمومي السمعي البصري، وفي تحديد التموضع الاستراتيجي للشركات المعنية ضمن المشهد الجديد. فكيف يمكن الحديث عن إصلاح دون إشراك من يشكلون عماد الإنتاج اليومي للمحتوى؟ وكيف يمكن بناء نموذج إعلامي تنافسي ومستدام دون ضمان العدالة الداخلية والاستقرار الاجتماعي؟ إن استمرار التماطل في تنزيل الهولدينغ، وفي الحسم في الملفات الاجتماعية العالقة، لا يهدد فقط السلم الاجتماعي داخل المؤسسات، بل يضعف صورة الإعلام العمومي في زمن تتسارع فيه المنافسة وتتصاعد فيه رهانات المصداقية. فالرهان اليوم ليس مجرد تدبير ملف مطلبي، بل إعادة تعريف دور الإعلام العمومي وموقعه في المشهد الوطني.
لقد عبّر الجمع العام بوضوح عن تفويضه للمجلس النقابي لمتابعة هذه الملفات بحزم، مع الاستعداد لاتخاذ الأشكال النضالية المناسبة إذا اقتضى الأمر. وهي رسالة مفادها أن زمن الانتظار المفتوح قد انتهى، وأن العمل الجاد والوحدوي والمنظم هو السبيل الوحيد لحماية المكتسبات وصون الكرامة المهنية.
إن الإعلام العمومي المغربي أمام مفترق طرق: إما أن يتحول مشروع الهيكلة إلى فرصة حقيقية لإعادة البناء على أسس العدالة والشفافية والحكامة، أو أن يستمر في دوامة التأجيل التي تستنزف الثقة وتعمّق الأعطاب. وفي كل الأحوال، فإن إنصاف الشغيلة وتسوية أوضاعها ليس مطلباً ظرفياً، بل شرطاً تأسيسياً لأي إصلاح جاد ومستدام .
