انهيار معايير النقاش في زمن الشعبوية الرقمية

0

الكارح ابو سالم

 

حين تتحول الإهانة إلى رأي… إلى أين يسير نقاشنا العمومي؟

لم تعد الأزمة التي نعيشها أزمة سياسات فقط، ولا أزمة أرقام أو مؤشرات تنموية، بل أزمة أخلاق في الخطاب ذاته. لقد تغيّرت لغة النقاش في فضاءاتنا العامة تغيرًا مقلقًا؛ لم يعد السباب زلة عابرة، ولا الشتم انفعالًا لحظيًا، ولا نشر “الغسيل” استثناءً محدودًا. صار كل ذلك قاعدة تكاد تبتلع ما تبقى من رصانة. يكفي أن نتصفح منصات التواصل الاجتماعي، أو نتابع سجالًا بين سياسي ومؤثر، أو نشاهد مقتطفًا من جلسة برلمانية، لندرك أن سقف النقاش لم ينخفض فحسب، بل انهار.

في البرلمان، حيث يُفترض أن تُصاغ القوانين بلغة دقيقة وأن تُمارس الرقابة بحجج رصينة، تسربت عدوى المنصات. صار بعض الخطاب موجَّهًا إلى الكاميرا أكثر مما هو موجَّه إلى المؤسسة. تتحول المداخلات إلى مقاطع قصيرة قابلة للاجتزاء، وتُختزل القضايا المعقدة في عبارات صادمة معدّة للانتشار السريع. لم يعد الهدف إقناع الخصم أو إغناء النقاش، بل حصد التفاعل. وهكذا تحولت الخصومة السياسية من تنافس على البرامج إلى سباق في التجريح، ومن إدارة للاختلاف إلى إدارة للضجيج.

أما في الإعلام، فقد اختلطت الأدوار على نحو غير مسبوق. تحت ضغط المنافسة الرقمية وهاجس “الترند”، غلبت الإثارة على التثبت، وغلب التعليق على الخبر. بعض المنابر لم تعد تسأل: هل المعلومة دقيقة؟ بل: هل ستثير الانتباه؟ في هذا المناخ، يصبح الهجوم مادة جذابة، والفضيحة عنوانًا مضمون التداول، ويتراجع التحقيق الرصين أمام الخبر العاجل المشحون بالعاطفة.

النتيجة أن الفضاء الرقمي المغربي صار أشبه بمرآة مشروخة. صورة بلد يتطلع إلى الحداثة والمؤسسات القوية، تقابلها لغة يومية مشحونة بالسباب والتخوين والتشهير. وكأننا نبني في الواقع ما نهدمه في الخطاب.

الأكثر إثارة للقلق أن هذا المناخ الداخلي المشحون يتحول إلى مادة خام في صراعات خارجية. فحين تشتعل معارك كلامية بين أبناء البيت الواحد، يسهل على حسابات منظمة — سواء بدوافع سياسية أو دعائية — أن تستغل الشرخ وتضخم الخلاف. خلال محطات رياضية كبرى، مثل ما وقع في كأس إفريقيا، رأينا كيف يمكن لحملات رقمية موجهة أن تستثمر أي زلة أو انقسام لتغذية خطاب معادٍ للمغرب. وحين يكون الداخل منقسمًا ومشتبكًا، يصبح الخارج أكثر قدرة على النفخ في الجمر.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في “الذباب الإلكتروني” أو الحسابات المجهولة. المشكلة الأعمق أن بعض الفاعلين المحليين أنفسهم يساهمون — بوعي أو بدونه — في تأجيج الصراع، ثم يندهشون من حجم الاحتقان. يتقنون فن الهجوم والهجوم المضاد، لكنهم يعجزون عن التوافق حين يتعلق الأمر بصورة البلد أو بمصالحه العليا. تتوحد أصواتهم في الخصومة، وتتفرق حين يستدعي الأمر مسؤولية جماعية.

هنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح: ماذا وقع حتى أصبح فضاؤنا الرقمي يشوه صورتنا أكثر مما يخدمها؟ متى تحولت الحرية إلى فوضى، والنقد إلى تصفية حسابات، والجرأة إلى وقاحة؟ ولماذا صار الصوت الواحد يظهر فقط في لحظات الانفعال، لا في لحظات البناء؟

لسنا ضد النقد، ولا ضد المعارضة، ولا ضد كشف الاختلالات. على العكس، المجتمعات الحية تقوم على المساءلة والاختلاف. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين النقد المسؤول والهجاء الشخصي، بين فضح الفساد وتلويث السمعة، بين الدفاع عن الوطن واستعماله درعًا لتصفية الخصوم.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الخلاف، بل انهيار معايير إدارة الخلاف. حين تختفي الحدود بين الرأي والاتهام، بين الخبر والإشاعة، بين الشجاعة والتهور، يصبح المجال العام أرضًا سائبة. عندها يفقد المواطن ثقته، وتفقد المؤسسات هيبتها، وتضيع الحقيقة بين الضجيج.

إلى أين نسير إذن؟ نسير، إن لم نتدارك الأمر، نحو فضاء عمومي تحكمه الانفعالات بدل الأفكار. فضاء تُكافأ فيه الإثارة أكثر من الكفاءة، ويُحتفى فيه بالمهاجم أكثر من المفكر. نسير نحو وضع تصبح فيه صورة المغرب في الخارج رهينة معارك الداخل، وتصبح منصاتنا أدوات يستخدمها الآخرون لتغذية سردياتهم.

لكن المسار ليس قدرًا محتومًا. يمكن إعادة الاعتبار لأخلاقيات النقاش: تثمين الحجة بدل الشتيمة، مساءلة الفكرة بدل اغتيال الشخصية، الفصل بين الصراع السياسي والمصلحة الوطنية، والوعي بأن الفضاء الرقمي ليس ساحة بلا أثر، بل سجلًا دائمًا يعكس صورتنا أمام أنفسنا وأمام العالم.

لأن المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة. إنها تتآكل حين تصبح الإهانة رأيًا، والتشهير بطولة، والمزايدة وطنية. وحينها نكتشف، متأخرين، أن ما كنا نظنه حرية مطلقة كان في الحقيقة انفلاتًا يلتهم هيبة الكلمة وصورة الوطن معًا.

فهل نملك الشجاعة لنرفع مستوى النقاش، أم سنواصل الدوران في حلقة الضجيج حتى يصبح الصراخ اللغة الوحيدة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.