الهيني : صلاح الدين الأيوبي الذي إنتصر لوساطة غيّرت مسار مشروع قانون المحاماة
الگارح ابو سالم
لم تكن الأزمة مجرد اختلاف حول صياغة مواد قانونية، بل كانت لحظة احتقان مؤسساتي غير مسبوقة،حيث شل الإضراب المحاكم، ولوح والنقباء باستقالة جماعية، فيما ووزير العدل ظل متمسكا بالمشروع الذي طرحه ، و صادقت عليه الحكومة في 8 يناير، دون مؤشرات على مراجعته أو التراجع عنه .
وهكذا بدا المشهد وكأن كل الجسور أُحرقت، وأن منطق الغلبة حلّ محل منطق الشراكة، في تلك النقطة الحرجة، تفيد مصادرنا أن المحامي محمد الهيني كان طرفاً أساسياً في إخماد هذا الاحتقان، ولو مؤقتاً،بحيث لم يتحرك بصفته فاعلاً سياسياً عابراً، بل باعتباره رجل قانون خبر دهاليز المهنة، ويعي أن كرامة المحامي واستقلال العدالة ليستا تفصيلاً تقنياً يُعالج ببلاغ إداري أو بتصويت عددي داخل الاغلبية الحكوميّة ، لقد قرأ الأزمة من زاوية أعمق، باعتبار ان الأزمة لا تعتبر مسألة خلاف حول نص، بل تحوّلت إلى صراع رمزي بين سلطة التشريع وسلطة الدفاع، بين من يضع القاعدة ومن يحرس روحها،و انطلاقاً من هذا الفهم، تحرك الهيني بدراية وبعد نظر،و استثمر قنواته وعلاقاته، ومنها قربه السياسي من رئيس الحكومة لينقل الملف من مستوى التوتر القطاعي إلى مستوى القرار السياسي الأعلى، لم يكن ذلك التفافاً على المؤسسات، بل سعياً لإعادة التوازن الذي اختلّ داخلها، وإدراكاً أن بعض الأزمات لا تُحل داخل المكاتب التقنية، بل في فضاء القرار السيادي الذي يملك سلطة التهدئة.
اللقاء الذي جمع أخنوش بنقيب المحامين يوم 11 فبراير، في غياب وزير العدل لوجوده خارج البلاد — وهل كان على علم بتفاصيله أم لا، فذلك تفصيل سياسي آخر — شكّل لحظة مفصلية أعادت ترتيب موازين القوة داخل الملف. الإعلان عن تشكيل لجنة مشتركة، والالتزام بعدم إحالة المشروع على البرلمان قبل التوافق، يعني عملياً تجميد النص في صيغته التي فجّرت الاحتقان، وفتح مسار جديد عنوانه الحوار بدل المواجهة.

هنا تتجلى مفارقة المشهد: وزير يسعى إلى تمرير قانون يهمّ أهل القانون أنفسهم، وجسم مهني يرى في ذلك مساساً باستقلاله، ورجل من داخل المهنة يتدخل ليذكّر بأن العدالة منظومة متكاملة، وأن أي خلل في أحد أعمدتها ينعكس على الجميع. الهيني لم يظهر كوسيط محايد فحسب، بل كصوت ينبّه إلى أن التشريع في مجال حساس كهذا لا يُبنى بمنطق الغلبة، بل بمنطق التوازن الدقيق بين السلطة والحرية.
سياسياً، قد تُقرأ الخطوة في سياق نهاية الولاية الحكومية وحسابات المرحلة، وربما أيضاً في إطار إعادة ترتيب مراكز القرار داخل الأغلبية. لكن مهنياً، يصعب إنكار أن الوساطة جنّبت البلاد تصعيداً كان سيتخذ طابعاً مؤسساتياً خطيراً، خصوصاً مع اقتراب إعلان استقالة جماعية للنقباء، بما يحمله ذلك من رسائل داخلية وخارجية حول وضع العدالة.

في النهاية، قد يُختلف حول تفاصيل المشروع أو خلفيات الصراع، غير أن ما ثبت هو أن تدخل رجل قانون يدرك خبايا المهنة أعاد ضبط الإيقاع في لحظة اختلال. ففي أزمات العدالة، لا يكون الرهان على كسب جولة سياسية، بل على صون ميزان دقيق يقوم عليه البناء كله؛ لأن القانون، قبل أن يكون نصوصاً جامدة، هو هندسة توازن بين سلطة الدولة وحرية الدفاع، وأي ميلٍ حادٍّ في هذا الميزان يهدد الثقة في العدالة ذاتها .

