اجتماع مدريد… قراءة في الحضور والرسائل الخفية

0

الكارح  ابو سالم

لم يكن مؤتمر مدريد مجرد محطة تقنية في مسار نزاع طال أمده، بل كان لحظة كاشفة لحدود المناورة السياسية ولتحولات ميزان الفعل الدولي. ففي التفاصيل الصغيرة للاجتماع—من طبيعة التمثيل، إلى ترتيب اللقاءات، إلى فضاء الانعقاد—تجلت صورة مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من إدارة النزاع إلى دفعه نحو أفق الحل الواقعي.
الحضور المغربي جاء منسجماً مع خط استراتيجي مستقر منذ سنوات: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الوحيد القابل للتطبيق. لم يدخل الوفد المغربي في سجال نظري حول المرجعيات، بل تعامل مع الاجتماع باعتباره حلقة في مسار تنزيل تصور سياسي يحظى بدعم دولي متنامٍ. هذا الثبات منح الحضور المغربي طابعاً عملياً، أقرب إلى منطق التنفيذ منه إلى منطق التبرير.
في المقابل، وجدت الجزائر نفسها في وضع مختلف تماماً. لسنوات طويلة سعت إلى تقديم نفسها كطرف “مساند” لا “طرف معني”، وحاولت إبقاء النزاع في مستوى خطاب تقرير المصير المجرد، دون تحمل كلفة الانخراط المباشر. غير أن اجتماع مدريد كشف حدود هذه المقاربة. فمجرد الجلوس إلى الطاولة في إطار نقاشات مؤطرة زمنياً، وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أرضية النقاش الواقعي، يعني عملياً اعترافاً بأن زمن إدارة الملف من وراء الستار قد انتهى.
أما التشبث المتكرر بشعار “تقرير المصير” في هذا السياق، فيبدو أقرب إلى محاولة لطمأنة الداخل الجزائري وإرضاء دوائر القرار الصلبة، أكثر منه طرحاً سياسياً قابلاً للتنفيذ. فالمعادلات الدولية الراهنة لا تتحرك بمنطق الشعارات، بل بمنطق الحلول الممكنة والاستقرار الإقليمي. وبين خطاب موجه للاستهلاك الداخلي ومسار دولي يتقدم بخطى مدروسة، وجدت الجزائر نفسها مضطرة إلى موازنة خطابها مع واقع جديد لم تعد تتحكم بإيقاعه.
أما ما يسمى “البوليساريو”، فقد بدا حضوره باهتاً في هندسة الاجتماع. لم يعد يُتعامل معه كفاعل مركزي، بل كامتداد لأطروحة سياسية استُثمرت فيها موارد ضخمة لعقود دون أن تثمر واقعاً قابلاً للحياة. التحول اللافت أن النقاش الدولي بات يتركز على الدول ذات السيادة والقرار، بينما تراجعت رمزية الكيانات غير السيادية في صناعة الحل.
الأهم من ذلك أن اختزال قضية الصحراء في تمثيل تنظيمي ضيق يتجاهل حقيقة ساطعة: الغالبية الساحقة من الصحراويين يعيشون داخل الأقاليم الجنوبية، يمارسون حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن المؤسسات الوطنية، ويشاركون في الاستحقاقات الانتخابية والتنموية. هؤلاء هم المعنيون الفعليون بأي تصور مستقبلي، وهم الذين يشكلون عمق المبادرة المغربية. أما المجموعة التي ظلت رهينة خطاب الصراع، فقد باتت أقرب إلى عبء سياسي على داعميها منها إلى مشروع بديل قابل للتحقق.
اختيار مدريد كمكان للاجتماع يحمل بدوره دلالات متعددة. إسبانيا، بحكم التاريخ والجغرافيا، تدرك أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط ليس ملفاً بعيداً عنها. احتضانها للمشاورات يعكس تموضعاً أكثر وضوحاً داخل مسار يدعم الحلول الواقعية، خصوصاً في ظل التحولات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.
غير أن الدلالة الأعمق تجلت في انعقاد المشاورات داخل السفارة الأمريكية. فالمكان هنا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل إشارة سياسية واضحة إلى حجم الانخراط الأمريكي. واشنطن لم تكتف بالدعم العلني، بل أضفت على الاجتماع دينامية عملية، كسرت نمطية الجولات السابقة، ودفعت نحو مسار مؤطر بتوقيت زمني ومخطط مدروس. الانتقال من إدارة مفتوحة على الزمن إلى مسار مضبوط الإيقاع يمثل تحولاً نوعياً في مقاربة الملف.
في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن مدريد لم تكن لحظة إعلان نهاية، لكنها كانت لحظة تضييق هامش المناورة. الجزائر وجدت نفسها، رغم تحفظاتها، داخل معادلة جديدة عنوانها الانخراط المباشر. وأطروحة الانفصال بدت أكثر هشاشة أمام منطق الدولة والاستقرار. في المقابل، تعزز موقع المبادرة المغربية باعتبارها الأرضية الواقعية الوحيدة التي تحظى بإسناد دولي متزايد.
التحولات الكبرى لا تقع بضجيج مفاجئ، بل بتراكم هادئ يعيد ترتيب المواقع ويكشف حدود الشعارات. ومدريد، بكل تفاصيلها، بدت أقرب إلى لحظة إعادة رسم للملف: الدول في الواجهة، الواقعية تتقدم، والزمن الدبلوماسي لم يعد قابلاً للتمدد بلا نهاية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.