نهاية اجتماع مدريد وتفعيل القرار 2797: نحو تنزيل عملي للحكم الذات

0

الكارح أبو سالم

انتهى اجتماع مدريد كما كان متوقعًا: دون مؤتمر صحفي، ودون صورة جماعية، ودون بيان مشترك. غادرت الوفود تباعًا مقر السفارة الأمريكية بالعاصمة الإسبانية، في صمت محسوب، بينما بقي الوفد الأمريكي وحده داخل المبنى لصياغة بيان ختامي منفرد سيصدر عن واشنطن خلال الساعات القليلة المقبلة. صمتٌ لم يكن فراغًا، بل كان أثقل من أي خطاب؛ لأنه عكس طبيعة ما جرى داخل القاعة: قرارات أُخذت، ومسارات رُسمت، ونهاية فعلية لمرحلة طويلة من تدوير النزاع بدل حله.

بهذه الخاتمة غير المعلنة، أُسدِل الستار على واحدة من أكثر الجولات حساسية منذ اعتماد القرار الأممي 2797 المتعلق بإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. جولة لم تُقاس نتائجها بما قيل للكاميرات، بل بما فُرض داخل غرفة التفاوض: مرجعية وحيدة للنقاش، انتقال إلى التفاصيل التقنية، ورعاية أمريكية قررت هذه المرة أن تنتقل من دور الوسيط التقليدي إلى موقع القيادة الفعلية للمسار.

الواقعية السياسية: من شعار إلى إطار ملزم

ما ميّز اجتماع مدريد ليس فقط مضمونه، بل المنهج الذي أُدير به. فقد تم القطع عمليًا مع سياسة الغموض البناء التي طبعت سنوات من مسار الأمم المتحدة، وتعويضها بمنطق الواقعية السياسية باعتبارها الإطار الوحيد القابل للتنفيذ. الواقعية هنا لا تُفهم كشعار دبلوماسي فضفاض، بل كترجمة عملية لمعادلة واضحة، لا حل خارج السيادة المغربية، ولا نقاش خارج مقترح الحكم الذاتي.
في هذا السياق، دخل المغرب الاجتماع من موقع مريح، مستندًا إلى مبادرة محيَّنة، دقيقة من الناحية التقنية، ومسنودة باعتراف دولي متزايد بكونها الحل الوحيد الجدي وذي المصداقية. أما الجزائر، فوجدت نفسها، بمجرد حضورها، أمام تناقض لا يمكن القفز عليه: كيف تستمر في الترويج لخطاب “الطرف غير المعني”، وهي منخرطة فعليًا في نقاش تقني حول تفاصيل الحل؟

الرعاية الأمريكية: القطع مع إدارة الأزمة

التحول الأبرز في مدريد تمثل في الدور الأمريكي. فالولايات المتحدة لم تتعامل مع الاجتماع كحلقة إضافية في مسلسل تفاوضي مفتوح، بل كفرصة لإعادة ضبط المسار ووضعه داخل أفق زمني محدد. استضافة اللقاء بمقر السفارة الأمريكية، واحتفاظ الوفد الأمريكي وحده بصياغة البيان الختامي، كلها مؤشرات على انتقال واشنطن من منطق التيسير إلى منطق الحسم المرحلي.
هذه المنهجية هي التي فرضت تطوير الملف من نقاش سياسي عام إلى نقاش تقني دقيق، وربطته برزنامة عملية للتنفيذ في أفق الأسابيع والأشهر المقبلة، بدل تركه رهينة حسابات إقليمية متقلبة.

الوثيقة المغربية: مرجعية وحيدة لا بديل عنها

حسب المعطيات المتداولة، نجحت واشنطن في انتزاع قبول صريح من الأطراف، بما في ذلك الجزائر، بأن المبادرة المغربية المحيَّنة (40 صفحة) هي الوثيقة الوحيدة المطروحة على الطاولة للنقاش الفني. هذا التحول ليس تفصيلاً إجرائيًا، بل اختراق سياسي حاسم، لأنه أنهى عمليًا أسطورة “تعدد المقترحات” التي استُخدمت لسنوات كأداة لربح الوقت.
بذلك، انتقل النقاش من مستوى الشرعية إلى مستوى التنزيل: الضرائب، القضاء، الأمن المحلي، وهندسة الصلاحيات داخل الحكم الذاتي. أي أن السؤال لم يعد: هل الحكم الذاتي حل؟ بل: كيف سيتم تطبيقه؟

لجنة تقنية وخارطة طريق: السياسة بلغة الأرقام

النتيجة الثانية تمثلت في الاتفاق على إنشاء لجنة تقنية دائمة تضم خبراء قانونيين، تحت إشراف أمريكي-أممي. هذا الإطار يُخرج الملف من منطق الجولات الظرفية إلى منطق العمل المؤسسي المستمر، ويجعل التراجع عنه مكلفًا سياسيًا.
أما ما سُمي بـ خارطة طريق “مدريد 2026”، عبر تحديد موعد الجولة المقبلة بواشنطن في شهر ماي للتوقيع على “اتفاق إطار” سياسي، فيعني أن المسار دخل مرحلة اللاعودة، وأن الزمن الدبلوماسي أصبح محكومًا بسقف زمني واضح.

الجزائر: حضور بلا صورة… ومأزق بلا خطاب

في المقابل، كشفت نقاط الخلاف غير المحسومة حجم الارتباك الجزائري. رفض التقاط صورة جماعية، والمغادرة من باب جانبي لتفادي عدسات المصورين، ليسا تفاصيل بروتوكولية، بل رسائل سياسية تعكس حرجًا عميقًا: مشاركة مفروضة بالواقع، ورفض للاعتراف العلني بما تفرضه تلك المشاركة.
الأمر نفسه ينسحب على الخلاف حول مصطلح “تقرير المصير”. فبينما يصر المغرب على تجسيده داخل إطار الحكم الذاتي، بدت الصيغة الكلاسيكية التي تتمسك بها الجزائر فاقدة للزخم، خصوصًا مع ميل الضغط الأمريكي لصالح الطرح المغربي.

ما بعد مدريد: ميزان قوى جديد

استراتيجيًا، يخرج المغرب من اجتماع مدريد كـ منتصر دبلوماسي: فرض لغته، ثبّت مرجعيته، ونقل الملف من منطق التدبير السياسي إلى منطق الهندسة المؤسسية. أما الولايات المتحدة، فقد كرّست نفسها كـ الوسيط الفعلي الوحيد القادر على جمع الخصوم في غرفة واحدة، متجاوزة سنوات من الجمود الأممي.
الخطوة القادمة المتوقعة هي صدور بيان رسمي من واشنطن، يُرجَّح أن يتضمن عبارات قوية من قبيل “دعم لا رجعة فيه للسيادة المغربية” و“دعوة الأطراف للانتقال إلى التنفيذ العملي”. وإن حصل ذلك، فلن يكون مجرد بيان، بل إعلانًا عن بداية العدّ العكسي لنهاية نزاع مفتعل.
ختاما ، لم يكن اجتماع مدريد سهلًا، لكنه كان حاسمًا. المغرب مرتاح لمسار النقاش التقني، لأنه يعرف أن الواقعية تصب في صالحه، بينما تواجه الجزائر أكبر ضغط دبلوماسي في تاريخ تدبيرها لهذا الملف، بعد أن سقطت آخر أوراق المناورة، وباتت مضطرة للتعامل مع واقع لم تعد قادرة على إنكاره

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.