بين الأرقام والواقع: أيّ إيجابية في الحصيلة التشريعية؟ في البرلمان البلاد بخير

0

الكارح  ابو سالم

هكذا تقول الأرقام، وهكذا تُلقى الخطب، وهكذا يبتسم رئيس البرلمان وهو يختتم الدورة التشريعية الحالية بثقة كاملة. يقولها بلا تردّد: حصائل “إيجابية”، مؤشرات “مطمئنة”، مشاريع قوانين صُودق عليها بالجملة، ونواب – أغلبية ومعارضة – يتبادلون عبارات الرضا، كأن المؤسسة التشريعية خرجت لتوّها من تمرين ناجح في الاكتفاء الذاتي.
لكن، على بُعد كيلومترات قليلة من هذه الطمأنينة المصطنعة، كان الواقع يكتب سيناريو مختلفاً تماماً. في القصر الكبير، المشهد أقرب إلى فيلم أبيض وأسود: ظلام دامس، كشافات يدوية تعوّض الإنارة العمومية، وسكان يُطلب منهم مغادرة بيوتهم على عجل. لا لأن الحكومة جاءت بخطة إنقاذ، بل لأنها عجزت عن حماية أبسط حق من حقوق المواطنة: السكن الآمن.
الإخلاء كان هو “الإجراء الوقائي” الأقصى، أما الكرامة، والتعويض، والتواصل، فمؤجلة إلى إشعار غير معلوم… ربما إلى دورة تشريعية للحكومة المقبلة.
هنا تسقط أول ورقة من شجرة “الحكامة” ،قوانين مُصادق عليها، لكن أول منسوب مياه كفيل بإغراقها.
المواطن، ذلك الكائن غير المُدرج في الجداول الإحصائية، هو وحده من يختبر هذه “النجاحات” المعلنة:المازوت لم يعد إلى سعره،الدجاج غادر قدر الفقراء،
اللحوم لم تتأثر حتى بعيد أضحى بلا نحر،والزيت يتقلب كأنه سهم في البورصة، أما الخضر، فهي لعبة يومية تذكّر الجميع بأن السوق أصدق من كل البلاغات الرسمية.
وسط هذا العبث، يطفو إلى السطح ذلك الاختراع الغريب: صندوق مكافحة آثار الكوارث الطبيعية. صندوق يُقتطع من جيوب المواطنين باسم التضامن، يُستحضر في الخطب كأيقونة للحكامة الاستباقية، ثم يختفي عملياً عند أول اختبار حقيقي.
لا تدخل فوري،لا مساطر واضحة،

لا تواصل يطمئن، فقط صمت ثقيل… كأن الصندوق صندوق أسرار، محصَّن ضد الوصول، حتى ولو أُفرغت مدن وقرى بكاملها.
وكأن هذا لا يكفي، جاء انهيار الطريق الإقليمية رقم 4704 الرابطة بين العرائش ومولاي عبد السلام ليمنح الخطاب الرسمي صفعة إسفلتية مدوّية. طريق دُشّنت مطلع 2025 بعدسات الكاميرات، وبحضور وزير التجهيز والماء، وبتكلفة تجاوزت 43 مليون درهم، ووعود بفك العزلة ودعم التنمية والسياحة… قبل أن تنهار في 2026 مع أول امتحان مطري حقيقي.
من تدشين بالشرائط الحمراء إلى انهيار بالطين في أقل من عام.
أي بنية هذه؟
أم هو مجرد ماكياج إسمنتي صُمّم ليصمد أمام الكاميرا لا أمام السيول؟
الانهيار لا يمكن تسويقه بمنطق “الظروف الاستثنائية”. فالتغيرات المناخية، التي تُستعمل اليوم شماعة جاهزة، تفرض – إن كنا جادين – تشديد المعايير لا تخفيفها. ومنطقة مولاي عبد السلام معروفة بتربتها الهشة وطبيعتها الجبلية، أي أن الانجراف والسيول ليست مفاجأة، بل درس قديم في الجغرافيا.
فأين الدراسات الجيوتقنية؟
أين أنظمة التصريف؟
أين جدران الدعم؟
ومن وقّع على تسلّم هذا المشروع وكأنه صالح لعقود؟
الساكنة، مرة أخرى، تؤدي الثمن: عزلة، صعوبات تنقل، وخوف دائم من أن يكون “التدشين” مجرد بداية العدّ العكسي للانهيار.
أما النقاش العمومي، فيُراد له أن يظل محصوراً في لغة خشبية: حادث معزول، ظرف طارئ، وستتم المعالجة.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى: ما انهار ليس طريقاً فقط، بل منطق كامل في إنجاز المشاريع.
في النهاية، تتضح الصورة بلا فلاتر:
برلمان يصفّق لحصيلته،
حكومة تتقن فن الإخراج،
صناديق مالية بلا أثر،
مشاريع تُدشَّن ولا تُنجَز فعلاً،
ومواطن يُطلب منه دائماً أن “يتفهم”.
بين أرقام البرلمان وطين القصر الكبير، بين منصات الخطاب وحُفر الواقع، يظهر المغرب الحقيقي:
حكومة تحضر في الصور،
وتغيب عند الخطر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.