نضال المحامين: هدر حقوق المتقاضين وشل المرفق القضائي وجحود الحكومة وإجبارية الحوار

0

الكارح ابو سالم 

صعّدت  جمعية هيئات المحامين بالمغرب من وثيرة إحتجاجاتها بعد قرارها الأخير القاضي بالتوقف عن أداء مهام المحامين إبتداءا من غد الإثنين 26يناير إلى غاية نهاية الأسبوع في انتظار قرار موالي في حالة عدم التجاوب ، ويتعلق التوقف بعدم ممارسة  الدفاع أو الإجراءات الإدارية وكل ما يتعلق بالأداءات المالية ، وذلك مواصلة منهم  في التعبير عن الرفض القاطع لمشروع تمت المصادقة عليه من طرف حكومة أخنوش وبإيعاز من وزير العدل عبد اللطيف وهبي ، يرون فيه أنه لايخدم البتة مصالحهم المهنية والدفاعية  ، ولا مصالح وحقوق المواطنين ويمس بجوهر الدستور .

ومن المؤكد ، أنه ومنذ إنطلاق الحركات الإحتجاجية والتوقفات المشفوعة بالبلاغات، فقد توقفت معها حقوق المتقاضين والمعتقلين ، وتوقفت واردات صناديق محاكم المملكة ، وشرع عداد الخسائر في عد ضحايا هذه الانتفاضة من صندوق الخزينة، وتجميد وضعية المعتقلين الاحتياطيين ، وماعرفته ملفات رائجة كانت تنتظر إنهاء مآلاتها المجدولة بحيز زمني ، ناهيك عن ورطة بعض مغاربة العالم الذين ارتبطوا ببرامج الرحلات الجوية لحضور قضاياهم غير أن آمالهم تبخرت وضاعت تكاليف تحركاتهم من دولة ما بلدان العالم  الى بلدهم الأم فالعودة بخفي حنين في انتظار انبلاج صبح مقاصد المحامين قبل ملفاتهم .

إن المتتبع للوضع الحالي بالمغرب فيما يخص موضوع معركة  المحامين ضد مشروع لايلائم طموحاتهم حسب مضامين البلاغات ، يرى فيه أنه عنوان لمعركة كسر العظم ، معركة حقيقية بين جمعية هيئات المحامين والحكومة في شخص وزير العدل ، حيث أدى تعنته إلى ظهور ميزان قوى مختل ، الغلبة فيه وبالملموس للمحامين الذين استطاعوا شل حركة المرفق القضائي بكل أرجاء المحاكم بالمغرب ، ونجحوا في قول كلمة ” نحن هنا ” في وجه وهبي ، فليس سهلا الحديث عن توقف الآلاف من قضايا الناس التي سينعكس تراكمها يوما عن يوم سلبا على تدبيرها خلال الجلسات ويشكل ضغطا حقوقيا واجتماعيا على هيبة الدولة، فقد أظهر المحامون عبر هذه الوقفات العامة تماسكا منقطع النظير – رغم بروز محاولات طفيفة للإنشقاق من محامين معزولين بجهة الدارالبيضاء – وهو ما فضح عجز الحكومة على إختراق الجسم المهني للمحاماة من الداخل .

ويتضح أن المحامون ، يؤمنون بكون قضيتهم هي بالأساس الدفاع عن الشرعية الحقوقية كالدفاع عن استقلالية القضاء وحق المواطن دستوريا في ذلك ، مما أدخل الحكومة في موضع حرج دوليا وحقوقيا خصوصا في الوقت الراهن الذي حقق فيه المغرب مكتسبات دبلوماسية وسياسية كبيرة.

في الإتجاه الآخر ، فالحكومة تتخيل أو ترى نفسها أنها مسنودة إلى أغلبيتها في تمرير القوانين – كما وقع مؤخرا مع مشروع المجلس الوطني للصحافة والذي تحرك بشأنه المجلس الدستوري بسرعة وارجع الأمور إلى مسارها الطبيعي – وتعتبر الحكومة  أن تنظيم المهن الحرة إنما هو حق سيادي للدولة ولايمكن الانصياع للمهنيين بشأنه .

هذا الوضع قسم الرأي العام إلى قسمين : تيار عبر عن موقفه عبر منصات التواصل منتقدا توقفات المحامين التي عطلت مصالح المواطنين البسطاء الذين يعانون حيفا مزدوجا ، مما دفع بالحكومة الى القول ان المحامين يدافعون عن مصالح فئوية، فيما تيار آخر يرى أن التشدد  في مشروع 66/23  من شأنه تضمين مواد تمنع المقاطعة وتفرض عقوبات تأديبية وهي مناورة استباقية من الحكومة للقطع مع سلاح إضرابات المحامين  بصفة نهائية لأنه هو السلاح الفتاك الذي يمتلكونه لحد الساعة الذي يضمن لهم الدفاع عما يرونه بمثابة حقوق موضوعية .

ويرى المهتمون فيما يجري بسرعة من شذب وجذب بين الحكومة والمحامين ، أن الأوضاع المتوترة السابقة التي وقعت قبل السنة الماضية بشأن احتجاج المحامين في وجه مشروع المسطرة المدنية وكذا الجنائية ، أن الحكومة أصيبت كما الآن بارتباك بين ستضطر معه للتراجع قريبا خلال هاد الأسبوع  دون إنسحاب كامل ، بالموافقة على اجراء تعديلات جزئية تخص عملية السن وبعض الرسوم محاولة الإبقاء على جوهر مشروع القانون ، فالحكومة تراهن على النفس الطويل وانتظار ملل المحامين من التوقفات وحدوث مشاكل بينهم وموكليهم والضرر الحاصل على مداخيلهم الشخصية

فلا ننسى ان اخنوش رئيس الحكومة دعا مؤخرا إلى العودة للحوار المسؤول من اجل الوصول إلى تسوية ربما ستعد ” تاريخية ” تضمن لكل الأطراف الخروج الآمن الذي يحفظ ماء الوجه مقابل العودة الفورية إلى العمل بالمحاكم وانهاء الشلل ، دون التخلي عن المشروع كاملا .

واهتماما منها بهذا الموضوع الحيوي ، أجرت Cap24 حوارا هاتفيا مع أحد الوجوه الشابة البارزة النشطة حقوقيا وجمعويا الأستاذ فؤاد الخنشافي محامي بهيئة الرباط حول هذا الموضوع على الشكل التالي :

س : لماذا لم يلجأ أهل الدفاع والقانون، كما فعل الصحافيون، إلى المحكمة الدستورية عبر المساطر المعمول بها؟
ج : رغم الوعي العميق لهيئة الدفاع بأهمية الرقابة الدستورية، فإن اللجوء إلى المحكمة الدستورية يظل مسارًا مؤسساتيًا دقيقًا تحكمه شروط شكلية وموضوعية صارمة، لا تتيح المبادرة المباشرة للمهن أو الهيئات، كما أن هذا المسار، بطبيعته الزمنية والإجرائية، لا يواكب دائمًا الإيقاع الاستعجالي للأزمات المهنية والاجتماعية، ما يدفع المحامين إلى اعتماد أدوات الضغط النقابي المشروع كآلية موازية، هدفها الأساسي ليس تجاوز المؤسسات، بل دفعها إلى التفاعل والحوار قبل ترسيم أوضاع قد يصعب تدارك آثارها لاحقًا.

س : هل شل حركة المرفق القضائي لا يُعد في الآن ذاته ضياعًا ومساسًا خطيرًا بحقوق المتقاضين، خصوصًا المعتقلين منهم، ومسًّا بهيبة التعاقد بين المحامي وموكليه؟
ج :لا جدال في أن توقف العمل بالمرفق القضائي، ولو كان جزئيًا أو مؤقتًا، ينعكس سلبًا على حقوق المتقاضين، خاصة الفئات الهشة وعلى رأسها المعتقلون احتياطيًا، كما يضع علاقة الثقة والتعاقد بين المحامي وموكله تحت ضغط حقيقي.
غير أن المقاربة الموضوعية تفرض التمييز بين الضرر الآني والمخاطر البنيوية طويلة المدى؛ فالمحامون يرون أن الدفاع عن شروط ممارسة عادلة ومستقلة للمهنة هو في جوهره دفاع غير مباشر عن حقوق المتقاضين أنفسهم، وأن الاستمرار في أداء المرفق دون معالجة اختلالاته قد يؤدي إلى إفراغ العدالة من مضمونها، ولو بدا ذلك أقل كلفة على المدى القصير .

س: هل يبدو في الأفق، بعد هذا الضغط، أن تتململ الحكومة لكبح جماح غليان المحامين الذي ارتفع منسوبه بتوقفات طويلة المدى؟
ج :المؤشرات الحالية توحي بأن تصاعد وتيرة الاحتجاج، واتساع مداه الزمني، يضع الحكومة أمام معادلة معقدة: فاستمرار التجاهل قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان داخل مرفق حيوي وحساس، بينما يظل فتح قنوات الحوار خيارًا أقل كلفة سياسيًا ومؤسساتيًا.
غير أن أي تجاوب حكومي مرتقب لن يكون ثمرة الضغط وحده، بل رهينًا بقدرة الجسم المهني على تقديم مطالب واضحة، قابلة للتفاوض، ومسنودة بحجج قانونية دقيقة، بما يسمح بانتقال الأزمة من منطق الصدام إلى منطق التعاقد والتسوية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.