عندما تنتصر دولة القانون لتنظيم مهني متوازن

0

قرار دستوري بخصوص قانون المجلس الوطني للصحافة اعاد رسم ملامح تنظيم الصحافة بالمغرب.

بقلم محمد الغياط 

في خطوة دستورية بارزة، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها بخصوص القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة، لتؤكد مرة أخرى أن المغرب يسير بثبات نحو تكريس دولة القانون والمؤسسات، حيث تخضع القوانين لرقابة دستورية صارمة، انسجامًا مع مبدأ فصل السلط وضمان الحقوق والحريات الأساسية.
1- قرار دستوري في صميم المشهد الإعلامي

جاء قرار المحكمة الدستورية عقب إحالة القانون من المؤسسة التشريعية، في إطار آلية دستورية تُمكّن البرلمان من التحقق من مدى مطابقة النصوص القانونية للدستور قبل إصدارها. وقد قضت المحكمة بعدم دستورية عدد من المقتضيات، خاصة تلك المرتبطة بتكوين المجلس الوطني للصحافة وآليات اشتغاله، مع الإبقاء على باقي المواد التي لا تتعارض مع الدستور.
هذا القرار لم يكن مجرد إجراء تقني، بل يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، تؤكد أن التنظيم القانوني لقطاع الصحافة يجب أن يقوم على التوازن، التمثيلية، والاستقلالية، بعيدًا عن أي هيمنة أو اختلال قد يمس جوهر التنظيم الذاتي للمهنة.
2- تفاعل مؤسساتي في إطار فصل السلط
اللافت في هذا القرار هو التفاعل المؤسساتي الإيجابي بين السلطتين التشريعية والقضائية، حيث لجأ البرلمان إلى المحكمة الدستورية باعتبارها الجهة المختصة حصريًا بمراقبة دستورية القوانين، وفقًا لمقتضيات الفصل 132 من الدستور.
ويُعد هذا التفاعل تجسيدًا عمليًا لمبدأ فصل السلط، لا باعتباره قطيعة بين المؤسسات، بل تكاملًا وتوازنًا يهدف إلى حماية المشروعية الدستورية وضمان احترام الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير وحرية الصحافة.
3- أبعاد قانونية تؤسس لتنظيم مهني متوازن.
أبرز ما كرّسه قرار المحكمة هو التأكيد على:
ضرورة احترام مبدأ التمثيلية المتوازنة داخل المجلس الوطني للصحافة بين مختلف مكونات الجسم الإعلامي.
ضمان استقلالية الهيئات التأديبية وعدم إخضاعها لأي منطق قد يُفهم منه التوجيه أو التحكم.
5- صون حقوق الدفاع والشفافية في المساطر التأديبية والتنظيمية.
وهي مبادئ لا تُعد مجرد مقتضيات تقنية، بل تشكل جوهر التنظيم الذاتي للمهنة، كما نص عليه الدستور، خاصة في ما يتعلق بحماية حرية الصحافة ومنع أي تقييد غير مبرر لها.
6- حصيلة القرار: المواد غير المطابقة للدستور
في إطار رقابتها على دستورية القانون، قضت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة عدد من المواد لأحكام الدستور، ومن أبرزها:
الفقرة الأخيرة من المادة 4
البند (ب) من المادة 5
المادة 49
الفقرة الأولى من المادة 57
المادة 93
وذلك لكونها تمس بمبادئ التوازن في التمثيلية، والحياد المؤسساتي، وضمانات الاستقلالية داخل أجهزة المجلس، بما يتعارض مع روح الدستور ومعايير التنظيم الذاتي للمهنة الصحافية.
7- انعكاسات مستقبلية على منظومة الإعلام
من المرتقب أن يُعيد هذا القرار فتح النقاش التشريعي حول تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بما يضمن:
تعزيز ثقة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في آليات التنظيم الذاتي.
تكريس بيئة قانونية أكثر استقرارًا ووضوحًا.
حماية الحقوق المهنية، مقابل ترسيخ الواجبات الأخلاقية والمهنية.
كما يشكل القرار رسالة واضحة بأن الإصلاح القانوني في قطاع الإعلام لا يمكن أن يتم إلا في إطار احترام الدستور، والحوار المؤسساتي، ومشاركة الفاعلين المهنيين.
8- خاتمة
قرار المحكمة الدستورية بشأن قانون المجلس الوطني للصحافة ليس نهاية مسار تشريعي، بل بداية مرحلة جديدة تُبنى على أسس دستورية صلبة، تُعزز دولة القانون، وتُكرّس التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، في أفق صحافة حرة، مستقلة، ومهنية تخدم الديمقراطية المغربية وتطلعات المجتمع.
☆محمد الغياط باحث في مهن الاعلام والصناعة الثقافية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.