بقلم: د سعيد أولباشا.
في مطلع عام 2026، ما تزال أصداء الأناشيد التي مجدت القارة الإفريقية حاضرة في الذاكرة الجماعية. فالملاعب المتلألئة للمملكة، التي كانت بالأمس مسارح للحماس الجماهيري، أصبحت اليوم رموزا دائمة لنجاح يتجاوز حدود الرياضة. إن تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا 2025 لم يكن مجرد حدث رياضي عابر، بل كان إيذانا بميلاد مرحلة جديدة، ودليلا ساطعا على قدرة إفريقيا على التوفيق بين الطموح والتميز.

وتحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، قدم المغرب للقارة أكثر من بطولة كروية؛ قدم نموذجا متكاملا للتنمية، ومحفزا للإشعاع القاري والدولي، وإرثا مستداما تفوق قيمته بما لا يقاس قيمة كأس زائلة.
رافعة للتحول الاقتصادي والبنيوي:
يشكل الأثر الاقتصادي لكأس أمم إفريقيا 2025 دراسة نموذجية في التنمية عبر الرياضة. فإلى جانب الأرقام اللافتة:أكثر من مليار دولار من العائدات السياحية المباشرة، ومساهمة تقارب 2% من الناتج الداخلي الخام، ونمو اقتصادي بلغ 4.5%، وإحداث ما يزيد عن 100 ألف منصب شغل ، تبرز بوضوح معالم التحول البنيوي العميق.
لقد ساهم تدفق مئات الآلاف من الزوار في تنشيط المنظومة الاقتصادية برمتها، من المقاولات الصغرى إلى المجموعات الكبرى، مؤكدا نجاعة نموذج السياحة الحدثية الذي تبناه المغرب.
أما البنيات التحتية التي شيدت أو جددت، كملعب طنجة الكبير ومركب الأمير مولاي عبد الله، فقد صممت لتكون إرثا دائما. هذه المنشآت متعددة الوظائف، إلى جانب شبكات النقل الحديثة وعلى رأسها القطار فائق السرعة «البراق» بوصفه العمود الفقري للتنقل، تشكل اليوم رصيدا وطنيا في خدمة الأجيال القادمة، محفزا للتنمية الجهوية ومقلصا للفوارق المجالية. وهكذا تحول الاستثمار الضخم، المقدر بعدة مليارات من الدولارات، إلى رأس مال تنموي ذي مردودية عالية على المدى الطويل.
الرؤية الملكية, استراتيجية متناسقة بعيدة المدى:
لم يكن هذا النجاح وليد الصدفة، بل هو ثمرة تجسيد منهجي لرؤية ملكية رسمت معالمها منذ أكثر من عقدين. فقد جعل صاحب الجلالة الملك محمد السادس من الرياضة والبنيات التحتية والشباب ركائز أساسية لمشروع مجتمعي طموح. ومن هذا المنطلق، جاءت التحضيرات لكأس أمم إفريقيا مندمجة ضمن منطق تنموي شامل، سرع وتيرة مشاريع هيكلية في مجالات التنقل والطاقة والصحة.
وتتجلى هذه المقاربة الاستراتيجية في مؤسسات التميز، من قبيل أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، التي تعكس إرادة بناء نخبة رياضية قائمة على الجدارة والاستدامة. كما كرس النجاح الباهر في التنظيم مكانة المغرب شريكا موثوقا على الساحة الرياضية الدولية، ممهدا الطريق للتنظيم المشترك، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لكأس العالم 2030. لقد كانت كأس أمم إفريقيا بمثابة بروفة كبرى لدولة باتت مشهودا لها بالاحترافية والموثوقية.
إشعاع قاري وقوة ناعمة متعززة على الصعيدين الدبلوماسي والثقافي: شكلت كأس أمم إفريقيا 2025 منبرا عالميا بامتياز. فقد اطلع مئات الملايين من المشاهدين على تعدد وجوه المغرب، حيث تتلاقى الحداثة مع التقاليد العريقة. هذا الظهور الإعلامي، الذي لا تقدر قيمته الإعلانية بثمن، عزز الطموح السياحي للمملكة ورسخ مكانتها كوجهة مفضلة.
كما أكد المغرب ريادته الإفريقية من خلال الفعل والقدوة. فقد أسهمت الإشادات الجماعية الصادرة عن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم والفيفا ووسائل الإعلام الدولية، التي وصفت الدورة بـ«أفضل كأس أمم إفريقيا في التاريخ»، في تعزيز القوة الناعمة المغربية، وتموقع المملكة كقطب للاستقرار والإبداع والأخوة داخل القارة.
اختبارات الشهرة, الغيرة والانزلاقات:
غير أن العظمة كثيرا ما تستجلب ظلالها. فقد أثار حجم النجاح المغربي ردود فعل مشوبة بالمرارة لدى بعض المنافسين الإقليميين، ترجمت إلى حملات إعلامية مكلفة وغير مؤسسة. ولم تفلح هذه المحاولات العقيمة في النيل من بريق الحدث، بل كشفت الفارق الشاسع بين رؤية بناءة وسياسة قائمة على الامتعاض.
كما شابت المباراة النهائية، للأسف، بعض السلوكات المنافية للروح الرياضية، من احتجاجات مفرطة وتجاوزات، شكلت تناقضا مؤلما مع الانضباط والرقي اللذين طبعا أداء المغرب البلد المنظم طيلة البطولة. وقد أعادت هذه الأحداث، التي قوبلت بإدانة جماعية، التذكير بأن عظمة الرياضة تقاس أيضا باحترام القواعد وروح اللعب النظيف.
منارة للمستقبل:
ستظل كأس أمم إفريقيا 2025 محطةً مفصلية في سجل التاريخ المعاصر. فقد نجح المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في تجاوز الإطار الرياضي ليجعل منها مشروعا مجتمعيا جامعا، مولدا للازدهار وباعثا على الفخر.
إن هذا الانتصار أسمى بكثير من مجرد كأس؛ إنه رصيد من الثقة، وشبكة من البنيات التحتية ذات المعايير العالمية، ومكانة دولية متعززة. وبينما يواصل المغرب مسيرته الهادئة والصاعدة، يضيء هذا الإرث المشرق الطريق، لا للمملكة فحسب، بل لإفريقيا واثقة في مصيرها.
عاش المغرب.
عاش الملك.
