من ضربة جزاء إلى فوضى مدروسة.. كواليس خسارة المغرب أمام السنغال

0

في نهائي كأس أمم إفريقيا بالرباط، لم تُحسم الأمور داخل المستطيل الأخضر فقط، بل تداخلت العوامل التقنية والنفسية والإعلامية في مباراة كشفت هشاشة جبهة كاملة خارج الملعب. خسارة المنتخب المغربي أمام السنغال (1-0) جاءت في سياق مشحون، حيث تحولت المواجهة إلى اختبار مركّب لقدرة “أسود الأطلس” على الصمود في وجه الضغوط المتعددة، وليس فقط في مواجهة خصم عنيد.

منذ إعلان الحكم عن ضربة الجزاء، دخل المنتخب السنغالي، بقيادة مدربه ولاعبيه، في مسلسل احتجاجات متواصلة، تخللته محاولات واضحة لتعطيل اللعب وفرض واقع نفسي جديد على أرضية الملعب.

التهديد بعدم استكمال المباراة، والتجمهر حول الحكم، والتوقف الطويل الذي دام دقائق حاسمة، لم يكن مجرد انفعال لحظي، بل أسلوب ضغط محسوب استهدف كسر تركيز اللاعبين المغاربة في لحظة مفصلية.

هذا السلوك امتد إلى المدرجات، حيث حاول بعض المشجعين السنغاليين افتعال الفوضى من خلال محاولات اقتحام أرضية الملعب، والاقتراب من اللاعبين المغاربة، والدخول في احتكاكات مباشرة مع القوات العمومية.

ورغم تدخل الأجهزة الأمنية بحزم واحترافية حال دون تفاقم الوضع، إلا أن الصمت القاري تجاه هذه التصرفات ظل مثيراً للاستغراب، خاصة إذا ما قورن بسرعة تضخيم أي رد فعل مغربي خلال البطولة.

بعيداً عن أحداث النهائي، لا يمكن فصل ما وقع عن سياق أوسع من الحملات الإعلامية التي استهدفت المغرب في السنوات الأخيرة، خاصة بعد مونديال قطر، فقد جرى ترسيخ صورة نمطية تُشكك في كل إنجاز مغربي، وتقدمه كنتاج “كواليس” وتحكيم منحاز.

 هذه السردية، التي استهدفت أسماء وازنة مثل فوزي لقجع، وجدت طريقها إلى وعي جماهير إفريقية واسعة، ما جعل الحكم نفسه يدخل المباراة تحت ضغط إثبات “نزاهته”، حتى وإن كان ذلك على حساب المنتخب المغربي.

في المقابل، برز ضعف واضح في الحضور الإعلامي المغربي على المستوى القاري، حيث أن الإعلام المهني، القادر على الاشتغال بلغات متعددة وبناء علاقات داخل دوائر التأثير الإفريقية، وجد نفسه مهمشاً أو مبعداً عن لعب هذا الدور، حيث أن هذا الفراغ سمح للروايات المعادية بالتمدد دون مقاومة حقيقية، في وقت كانت فيه البطولة تُلعب أيضاً على مستوى الصورة والانطباع العام.

هنا يطفو دور “المؤثرين” الذين جرى التعويل عليهم كواجهة مرافقة للمنتخب. حضورهم كان لافتاً في المدرجات، وفي المحتوى السريع الموجه للجمهور المحلي، لكنهم غابوا تماماً عن معركة التأثير الحقيقية، إذ لم يشكلوا جداراً دفاعياً أمام الحملات الممنهجة، ولم ينجحوا في مخاطبة الرأي العام الإفريقي أو تفنيد الاتهامات المتداولة، حيث أن ظل نشاطهم محصوراً في الاستعراض والفرجة، بعيداً عن أي دور استراتيجي في الدفاع عن صورة المنتخب والبلد المنظم.

تقنياً، حمّل عدد من الخبراء الطاقم الفني المغربي مسؤولية عدم عزل اللاعبين عن أجواء الاحتجاج والفوضى التي افتعلها الخصم، فالانخراط في تهدئة السنغاليين ومحاولة إقناعهم باستكمال المباراة، بدل ترك الأمر للقانون والحكم، ساهم في تشتيت التركيز داخل الملعب. كما أثير جدل حول بعض القرارات، خاصة المرتبطة بتدبير ضربة الجزاء في ظل حالة التوتر التي كانت تطبع أداء بعض اللاعبين.

خلاصة المشهد أن المنتخب المغربي دخل النهائي وهو مكشوف تواصلياً، في بطولة تُحسم تفاصيلها الصغيرة خارج الخطوط بقدر ما تُحسم داخلها، كما ان ما حدث في الرباط ليس مجرد خسارة لقب، بل إنذار واضح بضرورة إعادة بناء منظومة متكاملة ترافق المنتخبات الوطنية، ” منظومة توازن بين الأداء التقني، والتحصين الذهني، والدبلوماسية الإعلامية الرياضية”.

فالمعارك الكبرى لا تُربح فقط بالأقدام، بل أيضاً بالرواية، والحضور، والقدرة على الدفاع عن القميص الوطني في كل الجبهات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.