الگارح أبو سالم
حين نتحدث عن beIN Sports، فإننا لا نتحدث عن قناة عادية، ولا عن منصة إعلامية محايدة بالمعنى التقليدي، بل عن ذراع إعلامي رياضي مملوك لدولة، هي دولة قطر، يتمتع بحقوق بث حصرية، ونفوذ جماهيري واسع، وتأثير عابر للحدود. ومن هذا المنطلق بالذات، لا يعود الصمت تفصيلاً ثانويًا، بل يتحول إلى موقف، ويغدو الامتناع عن التدخل قرارًا سياسيًا-إعلاميًا، لا مجرد تقصير مهني، فالقناة التي تقف خلفها دولة لا تُحاسَب فقط على ما تبثه، بل أيضًا على ما تسمح بمروره، وعلى الخطابات التي تختار تركها دون تصحيح أو مساءلة. وحين يصدر عن أحد معلقيها خطاب تشكيكي خطير، ويمرّ دون رد أو توضيح، فإن المسؤولية لا تتوقف عند الميكروفون، بل ترتد إلى المؤسسة، ومن ورائها الجهة المالكة. ذلك أن كرة القدم لم تعد اليوم مجرد لعبة تُحسم داخل المستطيل الأخضر، بل أضحت فضاءً مركبًا تتقاطع فيه الرياضة بالإعلام والسياسة. وفي هذا السياق، لم يعد المعلق مجرد ناقل محايد، بل فاعلًا مؤثرًا، قادرًا على تهدئة الجماهير أو شحنها، وعلى ترسيخ الثقة أو تقويضها ومن هنا، لا يمكن التعامل باستخفاف مع ما صدر عن المعلق حافظ الدراجي على شاشة beIN Sports، حين تجاوز حدود التحليل الرياضي إلى التلميح والتشكيك والاتهام غير المباشر، بل الأخطر، حين مسّ صراحة استقلالية التحكيم، وأوحى—قولًا أو معنى—بأن نتائج المباريات “معروفة سلفًا”، وأن المنافسة تُدار خارج الملعب،و هذه ليست زلات لسان ولا آراء عابرة، بل خطاب يمس جوهر اللعبة، ويضرب ثقة الجماهير في عدالة المنافسة، ويفتح الباب أمام الفوضى، والتأليب، ونظريات المؤامرة، في مناخ رياضي مشحون وقابل للاشتعال عند أول شرارة.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ما قيل، بل في ما لم يُفعل. فحين تلتزم beIN Sports الصمت، ولا تتدخل، ولا توضّح، ولا تحاسب، فإنها—عن وعي أو عن تقاعس—تضع نفسها في موقع الشريك.
شريكٌ إمّا منح المعلق الجواز والبطاقة البيضاء ليستمر، أو قبل ضمنيًا بتحويل شاشته إلى منصة لبث النعرات وتأجيج الجماهير وضرب مصداقية المنافسة القارية.
وهنا بالضبط، يتجاوز الصمت حدوده المهنية، ليفتح الباب أمام تأويلات سياسية وإعلامية مشروعة. فعندما تُبث اتهامات تمس نزاهة التحكيم، ومصداقية الكاف، وعدالة المسابقة، عبر ناقل حصري مملوك لدولة، دون أي تبرؤ أو تصحيح، يصبح السؤال منطقيًا:هل نحن أمام انفلات فردي، أم أمام صمت يخدم حسابات تتجاوز التعليق الرياضي؟

وقد ربطت بعض القراءات هذا التغاضي بما يخدم—موضوعيًا على الأقل—التشكيك في قدرة المغرب على تنظيم كأس إفريقيا تنظيمًا عالميًا ناجحًا، تمهيدًا لاستحقاقات أكبر، وعلى رأسها كأس العالم، وهو تنظيم قد يفرض مقارنات غير مباشرة مع مونديال قطر، مقارنات لا تحتاج إلى ترويج كي تُطرح.
كما ربطت قراءات أخرى هذا المناخ المشحون بتزامن تنظيم كأس العرب في قطر على بُعد أيام فقط من انطلاق كأس إفريقيا بالمغرب، معتبرة أن هذا التزامن قد كان يراد به التشويش على تنظيم المغرب لكأس أفريقيا ،
وهنا، لا نُطلق اتهامات، بل نُحمّل الصمت تبعاته. فعدم تدخل beIN Sports، وعدم صدور موقف واضح من خلفها—أي دولة قطر—لوضع النقط على الحروف وفك أي ارتباط، ولو رمزيًا، بما قيل، يجعل الصمت ذاته مادة للتأويل، ووقودًا للشك، ومسؤولية قائمة بذاتها.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن إعفاء الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف) من المسؤولية. فالتشكيك لم يكن في حكم بعينه، بل في منظومة كاملة. ومع ذلك، مرّ الخطاب عبر ناقلها الحصري دون مساءلة أو توضيح، رغم أن عقود البث لا تقوم فقط على نقل المباريات، بل على احترام صورة المنافسة، وصون القيم الرياضية، والالتزام بخطاب إعلامي مسؤول.
وإذا كانت الكاف مطالبة اليوم باتخاذ قرارات بخصوص تصرفات بعض لاعبي المنتخب الجزائري،و السلوك غير المنضبط لجزء من جماهيره،و الاختلالات التي مست الوفد الرسمي، وصولا إلى حملات التشكيك في التحكيم والمؤسسات،
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا،

هل ستتوقف المحاسبة عند ما جرى داخل الملعب، أم ستطال أيضًا ما صُنع خارجه؟ لأن الخطاب الارعن المذاع من منصة دولية لا يقل أثرها عن أي سلوك ميداني، بل قد تكون أخطر، حين تُحوّل الشك إلى “حقيقة”، والاحتقان إلى “موقف”، والغضب إلى شرعية زائفة، ثم إن الأمر لا يتعلق فقط بعقود أو شراكات، بل بمواثيق دولية تنظّم مهنة الإعلام السمعي البصري، وتُجمع على رفض التحريض، والتهييج، والتشكيك المجاني في المؤسسات، خاصة في السياقات الرياضية الحساسة.
وعليه، تجد beIN Sports—ومن ورائها قطر—نفسها أمام اختبار مصداقية حقيقي: إما موقف واضح يفك الارتباط مع هذا الخطاب، وإما صمت يُفهم—عن حق—كتغاضٍ أو تواطؤ.
وعليه ان الرياضة لا تُدار بالنتائج وحدها،بل تُحمى بثقة الجماهير فيها.أما الصمت، حين تتشابك الرياضة بالإعلام والسياسة،
فلم يعد حيادًا…بل صار مسؤولية كاملة الأركان
