القضية الوطنية بين الحل الجاهز وخطر الإرهاب المحدق

 

بكل تأكيد أن المغرب منذ عقود خلت قد حسم في أمر قضيته الوطنية ولا مجال لمن يتوهم غير ذلك. حضوره في أقاليمه الجنوبية لا يمكن فهمه إلا في إطار ما يمكن اعتباره بالمقدس. وأي مساس بهذا المقدس هو مساس بالإيمان، ونذكر في هذا الصدد أن حب الأوطان من الإيمان، به يستمر الوجود ومن دونه ينتهي ذلك الوجود. ونحن على هذا العهد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

1 ـ اليوم حينما نتحدث عن حضور المغرب في صحرائه فهو حضور وازن وفعلي. وأوجه هذا الحضور متعددة لتغطي كل مناحي الحياة. ففي المجال السياسي لم يتوقف المغرب ولو لحظة في إعداد وتهييء المجتمع الصحراوي من خلال الارتكاز على خصوصيات هذا المجتمع من تقاليد وعادات وأعراف في انصهار كلي مع مكونات الثقافة الحسانية. وقد آمن المغرب وكذلك فعل بعد أن أرسى تلك الأسس اللازمة لبناء مؤسسات محلية يتولى تسييرها أبناء الأقاليم الصحراوية فيما يتعلق بتدبير الشأن المحلي سواء على مستوى الإدارة اللامركزية أو على مستوى المجالس المنتخبة. فالمحلي منها والإقليمي هو بيد أبناء المنطقة.

أما على المستوى الاقتصادي فحضور المغرب في أقاليمه الصحراوية قد فاق كل التوقعات فيما يخص البناء والتشييد ولاستثمار الذي غير وجه المنطقة رأسا على عقب. وكان نصيب أبناء الصحراء من الرفاه والازدهار قد سجل أرقاما قياسية، ومن العبث مقارنتها مع ما يجري في صحراء الجارة الشرقية، بل الأرقام القياسية في إحداث النقلة النوعية وتغيير هيكلة البنى التحتية تجعلنا أن نصنف أنفسنا في خانة الدول المتقدمة. فالمشاريع المنجزة أو التي هي قيد الإنجاز وما أكثرها تتطلع إلى أكثر مما هو محلي أي إلى ما قد يجعل المنطقة جسرا يربطها مع مشارق الأرض ومغاربها ويؤهلها لكي تكون منصة عالمية فيما يتعلق بجلب الاستثمارات من كل أنحاء العالم، ومنصة في مجال التجارة العالمية تربط ما بين القارات أقلها ثلاثة إفريقيا وأمريكا وأوروبا. وهذا النوع من الاستثمار لا يتحقق إلا في بلد كالمغرب له مؤهلات جغرافية ويتمتع بحكامة جيدة تحظى بثقة الجميع، وهو ما يعرف بالرأسمال اللامادي الذي بات يلعب الأدوار الطلائعية في مختلف أوجه التنمية الشاملة.

الخطاب الأخير لجلالة الملك بمناسبة الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء خير دليل على هذا التوجه. فجلالته كما عود شعبه ينأى بنفسه أن يدخل في سجالات لا طائل منها أو في شماتة نكاية في الإخفاقات التي يراكمها الخصوم . فهو أكبر من ذلك وليس هذا السلوك بتاتا من أخلاقيات الملوك . ولذلك كان خطاب جلالته على قدر كبير من الحكمة مؤكدا على أن ما يهمه في المقام الأول هو مستقبل الأقاليم الصحراوية ولاستمرار في بناء قدراتها الذاتية وتزويدها بكل مقومات المناعة من خلال المشاريع الضخمة في البنى التحتية وفي مختلف أصناف المشاريع الاقتصادية. ما يشهد عن ذلك هو الحجم الهائل لتلك الميزانيات التي رصدت وترصد كما أشارها إليها الخطاب الملكي السامي.

2 ـ من دون شك أن هذه السياسات المتبعة من طرف المغرب والتي تشهد عن عمله الدؤوب والمتواصل في بناء وتطوير أقاليمه الصحراوية، كان لها صدى واسعا بالإشادة والتنويه من طرف العديد من دول العالم الوازنة. فيما كان خصوم الوحدة الترابية يراكمون انتكاسة تلو الأخرى وبات عندهم هامش المناورة يضيق. قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2654 يعد إضافة نوعية إلى المكاسب التي حصدها المغرب منذ عام 2007 بفضل التأييد الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي. كما أن التزامات المغرب التي عاهد بها المنتظم الدولي بخصوص تهيئة الأرضية لتنزيل تلك المبادرة على أرض الواقع لعبت دورا أساسيا في الوقوف على جدية ذلك التوجه وأن إرادة المغرب في تنزيل مقتضيات المبادرة أمر لا مراء فيه ولا يعتريه الباطل.

وبهذا يكون المغرب قد أكتسب ثقة المنتظم الدولي، وهو ما جعل هذا الأخير يتمسك بتلك المبادرة منذ 2007. أي حوالي 15 سنة وهذا المنتظم يؤكد على نجاعة وواقعية ما تفرزه مبادرة الحكم الذاتي من حل لهذا النزاع المفتعل. بل أكثر من ذلك أي ما يزيد عن عشرين سنة لم تعد أدبيات ولا توصيات مجلس الأمن الدولي تتحدث عن ما يسمى بتقرير المصير وهو ما يعني أن المبدأ قد أسقط من قاموس المنتظم الدولي على الأقل فيما يتعلق بهذا النزاع المفتعل.

ومن جهة أخرى، وقف مجلس الأمن الدولي على حقيقة واحدة لا ثانية لها وهي أن الجزائر طرف أساسي في هذه المعادلة. ونحن نراه هو الطرف الحقيقي بما يفيد أنه أكثر من الطرف الأساسي. وقد كان النظام الجزائري يقوم مجانا بالتمويه والتعتيم على هذه الصورة. لكنها سرعان ما تبددت أمام الحقائق الساطعة التي انكشفت مباشرة بعد أحداث الكركرات ليزيح النظام الجزائري مرتزقته على الجانب وأخذ هذه المرة واجهة الأحداث في معركته المباشرة مع المغرب. ما كان يفعله هذا النظام في الخفاء ويحاول التستر عليه خرج به إلى العلن وبدأ يتخذ مواقف واضحة ضد كل الدول التي كانت تتبنى الأطروحة المغربية وعلى رأسها مملكة إسبانيا التي اتخذ في حقها سلسلة من القرارات تندرج في سياق مقاطعة حكومة مدريد.

بالرغم من كل ما سبق ذكره إيجابا بالنسبة للمغرب وسلبا بالنسبة للنظام الجزائري، ووقوف المنتظم الدولي على النوايا الحقيقية لطرفي هذا النزاع ، بالرغم من كل ذلك يفترض اليوم من مجلس الأمن الدولي ألا يترك الحبل على الغارب إلى ما لا نهاية خاصة بعد عقدين من الزمن وهو يكاد يجتر نفس المواقف التي لم تتوقف عن الدعوة إلى تبني الواقعية في الحل العملي لهذا النزاع. ونعتقد جازمين أنه قد طفح الكيل مع كل هذا الانتظار والنظام الجزائري غافل عن كل هذه الدعوات بما فيها دعوته إلى الموائد المستديرة. لقد حان الوقت لكي يقوم مجلس الأمن بواجباته ووضع حد لهذه المهازل باستخدام الأدوات الضاغطة التي يوفرها له ميثاق الأمم المتحدة.

لابد من أن ننتبه أن لهذا التعنت مخاطر، وقد يفتح الباب، في حال غياب الحسم، على سيناريوهات خطيرة قد تعصف بالمنطقة ليدخلها في فوضى عارمة من قبيل تنامي التغلغل الإيراني المتزايد في المنطقة المغاربية بتسهيل وتواطؤ من النظام الجزائري. المنطقة التي تسرح وتمرح فيها التنظيمات الإرهابية قابلة للاشتعال بعد دخول إيران الراعي الأول للإرهاب على الخط، ولم يعد يكتفي كما كان من قبل بتدريب المرتزقة ومن والاهم من الإرهابيين بل انتقل إلى السرعة الفائقة من خلال توفير السلاح وإغراق المنطقة بها. لقد دقت ساعة الحسم وعلى المنتظم الدولي أن يكون في مستوى التحديات الجديدة قبل أن يصبح كذلك السلم والأمن الدوليين في مهب الرياح.     

 

 

 

  • تم نسخ الرابط

مقالات ذات صلة

تعليقات ( 0 )

اكتب تعليق او تعقيب

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *