فشل الجزائر ساهم في إنجاح القمة

توالت المصائب على الجزائر ويا ليثها جاءتها فرادى لعلها تلتقط أنفاسها. من فاجعة إلى انتكاسة وبينهما يومين أو ثلاثة . فاجعة القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي تحت عدد  2654 الذي زكى أطروحة المغرب وعصف ببهتان النظام الجزائري. وزاد من هول تلك الفاجعة الموقف الفرنسي الذي راهنت عليه الجزائر وسال لعابها كي تستخدم باريس حق الفيتو بعد أن توهم النظام الجزائري أن تقاربه مع فرنسا سيغير لا محالة من تلك المعادلة. كانت تلك الفاجعة يوم 27 أكتوبر المنصرم وبعد ثلاثة أيام وجد النظام الجزائري نفسه في حيرة من أمره فاختلطت المسارب أمامه ولم يعد يعرف ما يقدم وما يؤخر  والقمة العربية على الأبواب. فانقلب السحر على الساحر وتحولت مناسبة القمة إلى انتكاسة بدا واضحا من خلالها النظام الجزائري يضرب أخماسا بأسداد ودخل في مرحلة الارتجال والتخبط الملعون. وظهر الخلل أنه قد غشي القيادة الجزائرية لتنقاد إلى ارتكاب زلات على مستوى تنظيم القمة وازداد إحساسها بأن الأمور لم تعد تحت السيطرة وأن القضايا التي كانت تخطط لفرضها والدفاع عنها قد ضاعت من يدها لصالح المغرب الذي كان يريد النظام الجزائري عزله.

1 ـ توقيت القمة لم يكن مناسبا:

أ ـ على مستوى التوقيت عمد النظام الجزائري من البداية أن تعقد القمة العربية في توقيت يلتقي مع الأجندة الجزائرية وفي مقدمتها احتفالات فاتح نونبر حيث أراد النظام الجزائري أن يستغل حضور  القادةالعرب بنية تحويل عيدهم الوطني إلى عرس عربي وتسخيرهم بدون حياء في محاولة يائسة لخدمة أغراض النظام منها تلميع صورته المشوهة لدى الشعب الجزائري. فكانت النتائج على عكس ما كان يخطط له النظام بعد أن سجل غياب القيادات العربية الوازنة التي فطنت للنوايا والمخططات الصبيانية لذلك النظام. فكان التمثيل في القمة تمثيلا باهتا.

ب ـ التوقيت الذي أريد له أن يكون مناسبة لانعقاد هذه القمة كان خارج السياق الإقليمي وهو السياق الذي انعدمت فيه الشروط اللازمة لجعل القمة حدثا بارزا وموعدا مع التاريخ لمواجهة تحديات الوضع الراهن. من خلال رؤيتنا للمشهد العربي يتجلى بكل وضوح أن العديد من الدول العربية لا تعيش حالة استقرار على الصعيد الداخلي منها دول تعيش مرحلة انتقالية وأخرى تعيش فراغا مؤسساتيا ودستوريا ودول تحكمها مجالس رئاسية انتقالية أو مؤقتة بما فيها أخرى تسيرها حكومات تصريف أعمال. فيما حكام آخرون كما هو الحال في بعض دول المغرب العربي مشكوك في صحة انتخابهم بعد مقاطعة شعوبهم لصناديق الاقتراع. واعتبارا لذلك، رفض القادة الكبار المشاركة في قمة العبث أي قمة بمن حضر، وذلك من منطلق إيمانهم أن الإلتزام بمخرجات القمة وتنفيذها مرهون بقيادات شرعية لا بقيادات عابرة. ولعله في هذا السياق قد يكون الاعتذار الملكي بعدم الحضور له مبرراته ” لاعتبارات إٌقليمية”.

ج ـ  إن القيادة الجزائرية قد أخطأت الحساب في التوقيت بعد أن غاب عنها أن القمة العربية سوف تنعقد مباشرة بعد اجتماع مجلس الأمن الدولي وهو ما جعلها حائرة في أمرها ورأت العشب ولم تنتبه إلى الحفرة. فذهب الصياد ليصطاد فتصيد. ولو كان بوسعه أن يغير موعد القمة لما تردد، لكنه فاته الأوان بعد أن أرسل مبعوثيه حاملين معهم دعوات لحضور القمة. ّاللهم نص خسارة ولا خسارة” وكأن هذا هو حال لسان القيادة الجزائرية كما تشهد عن ذلك الاختلالات المسجلة على نطاق البروتوكول.  

2 ـ اختلالات مدوية في البروتكول:

طبيعي أن حالة الإحباط التي ألمت بالقيادة الجزائرية وما ترب عنها من ارتباك واضح، كان من اللازم أن ينعكس ذلك سلبا على مجريات أشغال القمة بدءا من الاستقبال إلى حين انتهاء أعمال القمة. وقد تجلى ذلك في الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت على نطاق مراسم الاستقبال التي كانت مخالفة لأبسط قواعد البروتوكول والأعراف الدبلوماسية.

وكان الرئيس عبدالمجيد تبون هو بطل هذا المشهد البئيس بعد أن خطف كل الأضواء بخروقاته التي أعطتنا صورة عن من هو هذا الرجل الذي كنا لا نعلم عنه إلا الشيء القليل من شخصيته. ولهول ما حدث وما شهدناه جعلنا نتساءل هل غاب الرجال عن الجزائر حتى يتولاها هذا الذي اسمه “تبون”. بالفعل استمتعنا من جهة بما كنا نراه، ومن جهة أخرى يحز في النفس أن نعاين هذه الوضاعة وهذا الانحطاط لا لشيء سوى أنه جرى مع كل الأسف في محفل عربي.

تبون الرئيس وهو يستقبل على أرض المطار رئيس دولة أو أمير في مشهد متكرر ومقرف تجده يتأبط ذراعالضيف  أثناء العزف والمرور أمام الجوقة الاستعراضية وفي لحظة تحية العلم، ويوقف ضيفه ين الفينة و ألأخرى ضاحكا أمام الكاميرات من دون أن يكترث برئيس الجوقة وهو متسمر ماسك بسيفه في انتظار انتهاء التحية العسكرية. ابتسامة كان يفرشها على محياه من المؤكد أنها مصطنعة ومخالفة للأعراف تخفي من ورائها تدمرا شديدا وامتعاضا من التمثيل الباهت للدول في تلك القمة.

وفي حالات أخرى، ظهر النظام الجزائري الذي يدعي أن هذه القمة هي مناسبة للم الشمل العربي، مليئا بمشاعر الحقد والكراهية بعد أن أبان عن كيدية في مراسم بروتوكول الاستقبال لا تخدم هذا الشعار الكبير ولا تراعي أبسط قواعد الاستقبال . حدث ذلك مع شخصية بارزة لها وزنها واعتبارها عربيا خصص لها استقبال من طرف وزير خارجية لا يليق بمكانة ومقام ذلك الضيف الذي له شأن ووزن في العالم العربي أكثر بكثير من رئيس الدولة المضيفة. ومن المؤكد أن الرئيس تبون قد تعمد ألا يكون حاضرا في هذا الاستقبال لاعتبارات انتقامية وضدا في المغرب. وكذلك فعلوا مع وزير الخارجية المغربي السيد ناصر بوريطة حينما امتنع نظيره الجزائري عن استقباله. كما منعت سلطات مطار هواري بومدين الوفد الإعلامي المغربي من الدخول ومنتغطية وقائع المؤتمر بالرغم من حصوله على ترخيص من الجامعة العربية. ولعل هذه السلوكيات المشينة تؤكد بالوضوح أن قصاصة لم الشمل العربي ما هي إلا ورقة للاستهلاك.

والأدهى والأمر من كل ذلك، أن الرئيس تبون كشف عن نفسه أمام الملأ بأنه يجهل تمام الجهل أبجديات تسيير الاجتماعات أو القمم، وهو أمر طبيعي في شخص تنعدم فيه الخبرة. وبالفعل كان مثارا للسخرية حينما استلم رئاسة الدورة من رئيس هو الآخر لم يخلو له الجو أن يتحرك أو يقوم بنشاط بصفته كرئيس للدورة السابقة بسبب الأوحال التي أغرق نفسه فيها وأغرق تونس معه.فوقع التسليم والتسلم بين رئيسين لا يعرفان من أين تبدأ وإلى أين تنتهي صلاحياتهما. ذلك ما كشفت عنه وقائع القمة حينما دعا رئيس الجلسة الحالية وهو السيد تبون أمين عام الجامعة العربية إلى إلقاء كلمته فكان رد هذا الأخير مزلزلا بعد أن ذكره بأن قواعد البروتكول تقتضي أن خطاب الأمين العام يأتي بعد خطاب رئيس الدورة الحالية. صفعة أخرى في وجه ذاك الذي ادعى مبكرا أن الجزائر كانت من وراء نجاح القمة.

فإذا كان الرئيس تبون قد خطف الأضواء بهذا الخطأ مع بداية الجلسة الافتتاحية، فإنه أقسم بأعظم الأيمان على أن ينهي تلك الجلسة بزلة أخرى لا تقل فظاعة عن سابقتها. فمن شدة تهوره وجهله عاد إلى الميكرفون ليذكر رؤساء الدول إن نسوا بأن حفل العشاء سيقام في فندق شيراتون.

وزلات على علاتها كما هي الخروقات لا تحصى ولا تعد، كانت العبثية والارتجال بما في ذلك النية المبيتة هي المتحكمة في عملية الإخراج الذي أرادوه للجلسة الافتتاحية بعد أن خصصت بالكامل لضيوف القمة بنية إضاعة الوقت وتفويت الفرصة على الأعضاء المشاركين. هذه الجلسة تعاقب  على منبرها الخطابي الرئيس الحالي لدول عدم الانحياز في كلمته المطولة التي أتعبت المترجمة فانسحبت ليعوضها زميل بعد مستقطع غابت فيه الترجمة. وعن الاتحاد الإفريقي دعي كل من رئيسه الحالي وهو الرئيس السينغالي الذي ألقى بدوره كلمة باسم الاتحاد، وأعقبه كذلك مفوض الاتحاد الإفريقي موسى فقي محمد القى هو الأخر كلمة باسم الاتحاد وكأن هذا المنتظم الإفريقي ولد ولادة مشوهة برأسين لجسد واحد. وعلى النقيض من هذه الاختيارات تم تغييب أمين عام الاتحاد المغاربي السيد عبدالهاديبكوش ابن الدار عربي وتونسي، وهو أولى من هذا وذاك. فإن كان من لم للشمل كان ينبغي العمل به على النطاق المغاربي وبعث الروح من جديد في مؤسساتهوكان من المفترض أن تكون دعوة السيد البكوش رسالة في هذا الاتجاه.

رغم هذه الخروقات في البروتوكول والاختلالات في تسيير الجلسات التي كانت بالأساس تستهدف الوفدالمغربي وحرمانه من تناول الكلمة، رغم كل ذلك كان الحضور المغربي وازنا ولم ينجر الى كل تلك الاستفزازات عملا بالتعليمات السامية بالبقاء فيالمواجهة وتصحيح المغالطات والعمل كل ما من شأنه لإنجاح القمة والحرص على عدم إعطاء الفرصة للغير لكي لا يستحوذ على مجريات الأشغال. ولم تنفع على الإطلاق تلك الدعاية الرخيصة بأن الوفد المغربي قد غادر القمة.

3 ـ القمة نجحت في أعقاب الفشل الذي منيت به الجزائر:

النجاح الباهر الذي حققته القمة وهو أنها استطاعت أن تكشف حقيقة الادعاءات المزيفة للنظام الجزائري الذي حاول أن يوهم نفسه قبل أن يوهم العالم العربي بأن القمة هي قمة لم الشمل العربي. جميع الخروقات والتجاوزات بما في ذلك من أحقاد كانت كافية للوقوف على هذه الحقيقة . فكانت الخطوة الأولى في أشغال هذه القمة هو العمل على تضييق الخناق على الجزائر التي أرادت أن تستفرد بالقمة وكان المغرب قد أخذ على عاتقه أن يتصدى لذلك في وقت مبكر لمحاصرة الرئاسة والوفد الجزائري بدعم ومؤازرة معظم الدول العربية وخاصة حلفاء المغرب من دول الخليج. وكانت الصخرة الأولى التي تكسرت فيها شوكة النظام الجزائري من إعداد وإخراج الوفد المغربي الذي أصر على إدراج إيران في جدول أعمال القمة كدولة تهدد أمن واستقرار المنطقة العربية. وقد حاول رمطان لعمامرة عبثا التملص من ذلك لكن بفضل تظافر الجهود أدرجت هذه النقطة في جدول الأعمال وتم رفعها إلى القمة التي اتخذ بشأنها قرار يدين كل الدول التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي.

الحضور الوازن للمملكة المغربية في هذا المحفل شكل نقطة ارتكاز لنجاح القمة مما أعاد الاعتبار للدور المغربي في القضايا الشائكة والمستعصية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي شهد شاهد من أهلها وهو الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس الذي نوه بالمواقف النبيلة لجلالة الملك في دعمه المتواصل للقضية وأهلها . وقد أجهر الرئيس الفلسطيني بهذه الشهادة وهي تخترق مسامع الرئيس تبون ولست متأكدا لحد الآن ما إذا كان الغشاء الطبلي لأذنه مازال سليما.  ثم أن البلاغ الختامي للقمة العربية هو الآخر قد أثنى على جهود المملكة بالنسبة لهذه القضية، لكنه لم يفته في نفس الوقت أن أشاد بمجهودات المغرب في اتجاه تسوية الأزمة الليبية بعد أن أقر بنجاعةومصداقية مخرجات الصخيرات كأساس لحلحلة المعضلة الليبية،  وهو اعتراف عربي لمن أحب و لمن كره بالدور الريادي للملكة المغربية كوسيط عربي قبل أي وسيط غريب ينزل بمظلته لمعالجة قضية من القضايا التي تخص بالأساس الأمة العربية.

من المؤكد أن هذه النجاحات التي سجلت على مستوى القمة في عقر دار الجزائر قد حالت بالفعل دون بلورة المخطط الجزائري على أرض الواقع الذي كان يرمي بالأساس إلى أخذ القمة إلى مربعات مريبة. وكل نجاح أحرزته القمة إلا وكان ذلك يصب في خانة الفشل الجزائري. من ضمنها أن القيادة الجزائرية  كانت تدبر لمشروع مناهض لموجة ما يسمى بالتطبيع مع إسرائيل نكاية في المغرب وفي أقطار عربية أخرى إلا أنها منيت بخيبة أمل بعد أن أكدت القمة مرة أخرى على المبادرة العربية لقمة بيروت عام 2002 كمرجعية وكأساس لحل الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية.

ولرب ضارة نافعة وما تشاؤون إلا أن يشاء الله. فما جادت به مناسبة انعقاد هذه القمة من أفضال على المغرب كون النظام الجزائري، بعد أن وضع الله الغشاوة على عينيه،  أوعز لإحدى قنواته الرسمية بنشر خارطة العالم العربي وفيها المغرب مبتور من أقاليمه الصحراوية مما يتنافي مع الخارطة الرسمية للجامعة العربية. وكان القدر المشؤوم للنظام الجزائري أن وضع نفسه في مواجهة مع الجامعة العربية قبل مواجهة المغرب. فما كان على القناة الرسمية الناطقة بلسان النظام إلا أن تقدم اعتذارا وقامت بتصحيح الخارطة بما يفيد ذلك الاعتراف بالوحدة الترابية للمملكة. هذا التصحيح أثار سخط وغضب بعض قيادات انفصالييالبوليساريو ومنهم من ذهب إلى وصف ذلك بالخيانةوبداية العد العكسي في مسلسل التخلي عن تلك الحركة الانفصالية.

هذه هي قمة بمن حضر، وهذه تجلياتها بمساوئها ومحاسنها. وإن كانت قمة للم الشمل العربي كما يدعون  يجب على رئيس الدورة السيد تبون أن يترجم هذا الشعار على أرض وأن يحسن تنفيذ مخرجاتها بما يخدم المصلحة والمصالحة العربية إن كان على ذلك قديرا. لا نريده كما كان صاحب زلات في أشغال هذه القمة ونأمل منه أن يتجنب الأخطاء القاتلة كي لا نجدد تلك الصورة النمطية من الجهل على أمة ضحكت من جهلها الأمم.

  • تم نسخ الرابط

مقالات ذات صلة

تعليقات ( 0 )

اكتب تعليق او تعقيب

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *