الگارح ابو سالم
منذ أن طفا اسم المدرب البلجيكي على سطح النقاش الكروي المرتبط بالمغرب، لم يكن حضوره مثقلاً بالتحليل الرياضي الرصين بقدر ما كان مشحونًا بنبرة متوترة، توحي بأن الرجل يحمل خيبة قديمة لم يستطع تجاوزها. فمن المعروف في الأوساط الكروية أن هذا المدرب كان يمني النفس يومًا ما بتولي تدريب المنتخب المغربي، قبل أن تُغلق تلك الصفحة نهائيًا، ليجد نفسه اليوم في موقع من يراقب تجربة لم يكن جزءًا منها، لكنها تفرض نفسها عليه واقعًا وإنجازًا وتنظيمًا.
منذ كأس إفريقيا بكوت ديفوار، بدأ هذا المدرب يصوّب مدفعيته الخطابية نحو المغرب، تارة بالتشكيك في مستوى المنتخب، وتارة أخرى بالتقليل من قيمة ما يقدمه البلد تنظيمًا وبنية تحتية، إلى أن بلغ الأمر حدّ الخروج عن اللياقة المهنية، حين صار يروّج صورة عن المغرب لا تمت بصلة للواقع الذي يشهد به الجميع، لا داخل إفريقيا فحسب، بل على المستوى العالمي. فحين يتحدث عن “غياب أجواء كأس إفريقيا”، أو يلمّح إلى اختلالات تنظيمية، فإنه لا يخالف رأيًا تقنيًا، بل يناقض شهادات اتحادات قارية، ومدربين، ولاعبين، وإعلام دولي، أجمعوا على أن النسخة المغربية رفعت سقف التظاهرة الإفريقية إلى مستوى غير مسبوق.
وإذا كان النقد مشروعًا، فإن ما يقدمه هذا المدرب لا يرقى حتى إلى مستوى النقد، لأنه يتجاهل عمدًا معطيات صلبة: منتخبات تقيم في فنادق خمس نجوم، ملاعب خاصة للتداريب، تنقل منظم، تجهيزات لوجستيكية دقيقة، وأطر تنظيمية لم تعرفها أي نسخة سابقة من كأس إفريقيا. بل إن هناك من اعتبر، عن حق، أن كأس إفريقيا بالمغرب خرجت من الإطار القاري الضيق إلى أفق ذي بعد عالمي، سواء من حيث البنية، أو الصورة، أو المعايير المعتمدة. فكيف يستقيم أن تُلغى كل هذه الوقائع لصالح انطباعات شخصية لا تصمد أمام أبسط مقارنة؟
ما يزيد هذا الخطاب ريبة، هو إقحام مغالطات جاهزة، ومحاولة الركوب على تراهات لم تعد تقنع حتى أصحابها. فحين يتزامن هذا الخطاب مع كونه مدربًا لمنتخب تنتمي بلاده إلى جنوب إفريقيا، في سياق علاقات إقليمية متوترة مع المغرب، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كان الرجل يعبّر عن رأي رياضي مستقل، أم يساير، بوعي أو بدونه، مناخًا سياسويًا معاديًا للمغرب، نعرف جيدًا خيوطه ومن يغذّيه، خصوصًا حين يرتبط الأمر بالطغمة الحاكمة في الجزائر، التي جعلت من كل نجاح مغربي مادة للإزعاج والإنكار.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يتخذ بعدًا أعمق حين يبدو أن هذا المدرب منزعج، في العمق، من صورة إفريقيا التي يقدمها المغرب. صورة لا تقوم على الهشاشة، ولا على ضعف البنيات، ولا على خطاب الشفقة، بل على الثورة العمرانية، والتحول البنيوي، والتحديث المتدرج الذي جعل المغرب نموذجًا إفريقيًا مقلقًا لمن لا يريد أن يرى في القارة سوى التأخر. كأن الرجل يودّ أن يحتفظ لنفسه بحق النظر من الأعلى، من “الضفة الأخرى”، ويرفض الاعتراف بأن دولة إفريقية استطاعت أن تقلب الصورة النمطية رأسًا على عقب.
هذا المنطق نفسه نجده، وبشكل كاريكاتوري، في ما أقدمت عليه القناة الرسمية الجزائرية أثناء نقلها لمباراة المنتخب السنغالي أمام نظيره السوداني، حين عمدت إلى استعمال فلاتر وضباب بصري في اللقطات الجوية، في محاولة يائسة لحجب حقيقة وضخامة المركب الرياضي ابن بطوطة بطنجة. ظنّ القائمون على هذا التلفزيون أن بإمكانهم إخفاء عالمية ملعب بات حديث الإعلام الدولي، بمجرد التحكم في زاوية كاميرا. وكأنهم يعتقدون أن المشاهد الجزائري يعيش في فراغ بصري، أو خارج التاريخ، لا يرى ولا يسمع إلا ما يُسمح له برؤيته.
غير أن ما فاتهم، أن زمن الحصار البصري قد انتهى. فوسائل التواصل الاجتماعي انفجرت بمحتوى صناع محتوى مغاربة وجزائريين وأجانب، نقلوا بالصوت والصورة حجم التحولات التي يعرفها المغرب، من طرق سريعة، وموانئ، وملاعب، ومدن حديثة، وتجربة تنظيمية أبهرَت من حضرها. شهادات جزائريين زاروا المغرب، وعبّروا بصدق عن صدمتهم الإيجابية، كشفت في الآن نفسه زيف الخطاب الرسمي الذي ظل يبيع لمواطنيه سردية مغايرة للواقع.
وهنا يطرح السؤال المؤلم: هل تفتقد الجزائر داخل حدودها إلى الإنترنت؟ هل لا توجد منصات تواصل اجتماعي؟ أم أن هناك إرادة لفرض وصاية بصرية على المواطن، وتحديد ما يجب أن يشاهده وما ينبغي أن يُحجب عنه؟ ما قام به التلفزيون الجزائري لا يعكس قوة سردية، بل خوفًا من الصورة، وخشية من حقيقة لم تعد قابلة للإخفاء، في عصر الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الرقمي، وتكسر الحدود الإعلامية.
في هذا السياق، تبدو تصريحات المدرب البلجيكي، ومحاولات التعتيم الإعلامي، وجهين لعملة واحدة: إنكار واقع مقلق، لأنه يثبت أن المغرب اختار مسارًا مختلفًا، ونجح فيه. ومن لا يحتمل رؤية هذا التحول، سيستمر في إطلاق تصريحات نشاز، أو في وضع فلاتر على الصورة، لكن دون جدوى. فالحقيقة، حين تصبح مرئية بهذا الوضوح، لا يحجبها ضباب ولا يغيّرها انزعاج مدرب لم يتقبل بعد أن التاريخ اختار أن يسير في اتجاه آخر.
هذا الخبر له علاقة بما سبق :
أفادت مصادر متطابقة أن وليد صادي، رئيس الاتحادية الجزائرية لكرة القدم ورئيس بعثة المنتخب الجزائري، تقدّم في أكثر من مناسبة بملاحظات شفوية إلى اللجنة المنظمة لكأس أمم إفريقيا المغرب 2025، على خلفية الإزعاج الذي أحدثته تصرفات بعض الجماهير الجزائرية نفسها بمحيط مقر إقامة بعثة منتخب بلادها، وهو ما استدعى تدخلاً وقائيًا من الجهات المعنية.
وفور تسجيل هذه الملاحظات، أبانت المصالح الأمنية المغربية عن جاهزية عالية وحسّ مهني رفيع، حيث باشرت اتخاذ تدابير استباقية دقيقة، شملت تنظيم محيط الفندق، تشديد المراقبة، وضبط المداخل، بما يضمن سلامة أفراد البعثة الجزائرية ويوفّر أجواء هادئة تساعد على التركيز والاستعداد الرياضي، دون تسجيل أي احتكاك أو تجاوز.

ويعكس هذا التدخل مرة أخرى نجاعة المقاربة الأمنية المغربية القائمة على الاستباق، وضبط النفس، وحسن التدبير، في التعامل مع وضع فرضته سلوكيات جماهيرية داخلية، لا علاقة له بأي خلل تنظيمي أو تقصير في الاستقبال. كما يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية في إنجاح التظاهرات القارية، عبر توفير بيئة آمنة ومنظمة تحترم فيها كل الوفود المشاركة، دون استثناء.
وبذلك، تؤكد هذه الواقعة أن الأمن المغربي لم يكن فقط عنصر حماية، بل فاعلًا أساسيًا في ضمان السير العادي للبطولة، والتعامل الذكي مع الإكراهات الميدانية، بما يكرّس صورة المغرب كبلد قادر على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية وفق أعلى المعايير الدولية، وبروح المسؤولية والاحتراف

