حين سقطت الأقنعة: زيارة المبعوث الأمريكي تُنهي وهم المناورة الجزائرية

0

الكارح ابو سالم

لم تكن زيارة المبعوث الأمريكي إلى الجزائر محطة دبلوماسية عادية، ولا مناسبة للبهرجة التي اعتادت عليها السلطة الجزائرية كلما وطأت أقدام مسؤول غربي أرضها. هذه المرة، لم يكن في الزيارة ما يُستثمر داخليًا، ولا ما يُسوَّق خارجيًا، سوى حقيقة واحدة قاسية: الجزائر تلقت إنذارًا سياسيًا صريحًا، لا يحتمل التأويل ولا يقبل التلاعب.
فالسلطة التي حاولت كعادتها توظيف الزيارة لنفث خطابها العدائي تجاه الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وجدت نفسها أمام رسالة تحذير مباشرة: اللعب في طريق التسوية الأممية انتهى، ومحاولات عرقلتها، حتى وإن اتخذت طابع “المزاح الدبلوماسي”، ستُواجَه بإجراءات تعزل الجزائر وتقصيها عن دوائر التأثير.
هذه الزيارة لم تكن سوى حلقة ضمن مسار ضغط متكامل بدأ في واشنطن، حيث جرى تحجيم وزن “البوليساريو” سياسيًا، وتأكيد أن الكيان الذي صُنع في كواليس الحرب الباردة لم يعد صالحًا لا كورقة تفاوض ولا كواجهة صراع. ومن الطبيعي، بعد تقليص دور الأداة، أن يأتي الدور على من صنعها وموّلها وحماها لعقود.
لقد راهنت الجزائر بكل ما لديها—مالًا، ودعاية، وتحالفات ظرفية—على إطالة عمر نزاع مفتعل. لكنها اليوم تقف عند خط النهاية؛ حيث لا تنفع المناورات، ولا تُجدي لغة الشعارات، ولا يُنقذ الموقف استدعاء خطاب “الاستعمار” أو “تقرير المصير”. فالعالم تغيّر، وموازين القوة أعيد ترتيبها، ومنطق الغالب حلّ محل وهم القانون المؤدلج.
الأخطر من ذلك، أن التصدّع لم يعد خارجيًا فقط، بل ضرب قلب ما يُسمّى بـ“جبهة البوليساريو”. انقسامات حادة، انسحابات صامتة، وقطيعة متزايدة مع الأطروحة الجزائرية التي لم تجلب لأتباعها سوى العزلة والفقر والعيش على فتات الخزائن. بعضهم قالها صراحة: الجزائر لم تكن يومًا نصيرًا لقضية، بل مستخدمة لها في مواجهة عدو متخيَّل.
أما القلة القليلة التي لا تزال الجزائر تُمسك بها من الأعناق، فهي رهينة ملفات ثقيلة وأفعال قديمة، لا تملك خيار الفكاك منها، وعلى رأسها “الرئيس المزعوم” الذي لم يعد يُخفي حتى أمام مقربيه أنه مغلوب على أمره، مجرد واجهة تآكلت شرعيتها وسقط قناعها.
في المقابل، يواصل المغرب تقدمه بثبات وثقة. فمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لم تعد قابلة للنقاش كخيار من بين خيارات، بل أضحت السقف النهائي لأي تسوية واقعية. دعمٌ دولي متزايد، وشراكات استراتيجية وازنة، وتحالف مغربي–أمريكي بات يُشكّل حجر الزاوية في أمن واستقرار المنطقة جنوب المتوسط.
الرسالة التي خرجت بها زيارة المبعوث الأمريكي لا لبس فيها:
إما أن تقطع الجزائر مع أوهام الماضي، وتنخرط في الحل الوحيد القابل للحياة،
أو تواصل السقوط الحر نحو العزلة، حيث لا مكان للخطاب الخشبي، ولا رحمة بمن يعاند منطق التاريخ.
لقد انتهى زمن الأقنعة… ومن لم يستفق اليوم، لن يجد غدًا من يس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.