الگارح أبوسالم
انتهى التحقيق، وأُنجزت المداولات، وبقي الحكم حبيس الزمن المؤجل. تأخيرٌ مملّ في نازلة واضحة المعالم، صريحة الوقائع، يحكمها نص قانوني ظاهر للعيان، لا يحتمل كل هذا التماطل الذي تجاوز حدود المعقول. فحين تتأخر الأحكام في قضايا من هذا النوع، لا يعود التأخير بريئًا، بل يصبح قرينة تُغذّي الشكوك، وتفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول منطق “الهواتف”، و”الترضيات”، وتصفية المصالح خلف الكواليس.
كلما طال الانتظار في ملف رياضي إفريقي، إلا واستحضَرَت الذاكرةُ المثلَ القائل: تمخّض الجبل فولد فأرًا. إذ غالبًا ما تنتهي الاجتماعات الطويلة، والبلاغات الفضفاضة، والتسريبات الموجهة، إلى نتائج هزيلة لا ترقى إلى مستوى الحدث ولا إلى حجم الغضب الجماهيري. وكأن الغاية ليست إحقاق الحق، بل ترويض الرأي العام تدريجيًا، وتهيئته لتقبّل “الأمر الواقع” بأقل قدر من الضجيج.
التسريبات التي خرجت إلى العلن، والتي حاولت رسم ملامح الحكم قبل صدوره، لا تبدو إلا انعكاسًا لازمة بنيوية تعيشها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم. أزمة عميقة في الحكامة، وفي القدرة على إنتاج قرارات صارمة، مستقلة، ومؤسِّسة لثقة مفقودة. كافٌ لم تنجح، عبر تاريخها القريب، إلا في تقديم حصيلة مبتورة، تُرضي أطرافًا بعينها، وتُغضب من يؤمنون بأن القانون يجب أن يكون سيّد الموقف.

وما دام الأمر يتعلق بإفريقيا، فإن ضغط الفيفا – رغم حضوره – يظل محدود الأثر. فالقناعة الراسخة داخل دوائر القرار الإفريقي هي أن “البيت الإفريقي” يُدبَّر بمنطقه الخاص، حتى وإن تعارض أحيانًا مع مبادئ العدالة الرياضية. إفريقيا، للأسف، لم تُظهر بعد استعدادها الحقيقي للتعاطي مع المستجدات بعقلية القانون الصارم، بل ما تزال أسيرة المقاربات الظرفية، والحسابات السياسية، والتحالفات العابرة.
لسنا في حاجة إلى كثير من الاستدعاء التاريخي لندرك ذلك. تجربة نهائي الوداد والترجي التونسي ما تزال شاهدة: لغط، احتجاجات، اجتماعات ماراثونية، وضغط إعلامي غير مسبوق… ثم كانت الخلاصة معروفة سلفًا: الكأس تُمنح، وما تلا ذلك لم يكن سوى تفاصيل هامشية لذرّ الرماد في العيون.
اليوم، قد لا يكون الرهان الحقيقي هو الحكم المنتظر، ولا حتى مضمونه، مهما كان متوقعًا. الرهان الأكبر هو ما بعد الحكم: هل نملك الجرأة لاستخلاص الخلاصات؟ هل نستطيع تحويل الخيبة إلى وعي استراتيجي؟ أم سنكتفي، كعادتنا، بترك الزمن يتكفل بطمس الذاكرة، إلى أن تعود “دار لقمان” إلى حالها؟
إن ما ساهم بشكل جلي في تعقيد المشهد، إلى جانب تعاطينا العاطفي والمشحون، هو الأداء الضعيف للإعلام المغربي، الرسمي والخاص. إعلام لم يستطع مجاراة الحملات الممنهجة، ولا تفكيك السرديات العدائية، ولا الدفاع عن الموقف المغربي بلغة احترافية وفعّالة. في المقابل، كان جار السوء، الجزائر، حاضرًا بخطاب متماسك، يستثمر كل تعثّر مغربي ليصنع منه انتصارًا رمزيًا لنفسه.
تلك هي الكلفة الحقيقية لما وقع: خيبة رياضية، نعم، لكنها قبل ذلك خيبة في التدبير، وفي التواصل، وفي قراءة موازين القوى. وما علينا اليوم إلا أن نستخلص الدروس بصرامة، لا بعاطفة، وبذاكرة يقظة، لا قصيرة. لأن من لا يتعلّم من خساراته، محكوم عليه بتكرارها… ولو تغيّرت الملاعب، وتبدّل

