المغرب شعلة مجلس السلام : نحو نظام دولي جديد الحلقة 03/01

0

 

الگارح ابو سالم
ما يجري اليوم في واشنطن لا يمكن فهمه بمنطق الانفعال ولا عبر قراءة سطحية تختزل التحولات العميقة في شخص دونالد ترامب. فاعتبار ما تقوم به الولايات المتحدة ارتجالًا سياسيًا أو خروجًا عشوائيًا عن قواعد النظام الليبرالي ليس سوى سوء تقدير لطبيعة الدولة الأمريكية نفسها ولطريقة اشتغالها حين تشعر بأن مركزها في العالم لم يعد مضمونًا كما كان. الولايات المتحدة، منذ نشأتها، لم تُبنَ كدولة قيم بقدر ما تشكّلت كدولة نموذج اقتصادي يبحث باستمرار عن شروط البقاء والاستمرارية، وكانت القيم في الغالب لغة تبرير لا محرّك قرار.
منذ لحظة التأسيس، عاشت أمريكا هاجس الأفول، فبنت أمنها القومي على السيطرة على الموارد والأسواق وطرق التجارة ومنع ظهور منافسين قادرين على تقويض تفوقها. هذا المنطق حكم توسعها غربًا، وهيمنتها على أمريكا اللاتينية، وإدارتها للحرب الباردة، ثم قيادتها للنظام العالمي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وعندما بدأ ميزان القوة في التحول، لم تغيّر العقيدة، بل غيّرت أدوات التنفيذ، في هذا السياق، لا يُفهم ترامب كحادث سياسي، بل كنتاج لحظة ضغط بنيوي دفعت الدولة الأمريكية إلى استدعاء رئيس قادر على تنفيذ قرارات مؤجلة، وكسر المحرّمات، وقبول كلفة الصدام. لم يأت ليبدع سياسات جديدة، بل ليعلن رسميًا نهاية مرحلة وبداية أخرى أقل نفاقًا وأكثر صراحة في التعبير عن المصالح.
التحولات التي يعرفها العالم اليوم تؤكد أن النظام الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد قادرًا على الاستمرار بالأدوات نفسها. مجلس الأمن، الذي وُلد في سياق توازنات ما بعد الحرب، قام على فرضية ثبات موازين القوة بين الدول الخمس الدائمة العضوية، لكن هذه الفرضية تآكلت. لم تعد القوى المشكلة للمجلس تملك الوزن الاقتصادي نفسه ولا القدرة ذاتها على فرض الإرادة، كما أن تضارب المصالح بينها حوّل المجلس إلى فضاء لإدارة الأزمات لا لحسمها. كثير من القضايا باتت تُرحّل، لا بحثًا عن حل عادل، بل لتوظيف الزمن كورقة ضغط ومقايضة.
قضية الصحراء المغربية تمثل نموذجًا واضحًا لهذا الخلل. فالملف، رغم وضوحه التاريخي والقانوني، عُمّر طويلًا داخل أروقة مجلس الأمن، ليس لأن الحقيقة غامضة، بل لأن التمديد كان يخدم مصالح دول بعينها. لم يكن الرهان حل النزاع بقدر ما كان استثماره سياسيًا واقتصاديًا. وحين تغيّر ميزان القوة، وحين قررت الولايات المتحدة الحسم، خرج الملف من منطق الالتفاف إلى منطق القرار، عبر الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء، وإقرار الحكم الذاتي كحل وحيد وأوحد تحت السيادة المغربية. لم يكن ذلك تعبيرًا عن مزاج إدارة، بل نتيجة قراءة أمريكية جديدة لمعادلات النفوذ والاستقرار.

هذا التحول في التعاطي الأمريكي لا ينفصل عن مشهد أوسع من بؤر التوتر التي تشهدها مناطق متعددة من العالم. ما يقع في غزة، على قسوته وتعقيده، لا يمكن عزله عن التحول الأمريكي من إدارة الصراع إلى ضبط مخرجاته. واشنطن لم تعد معنية بإنتاج تسويات نهائية بقدر ما أصبحت مهتمة بمنع انفجار إقليمي شامل يربك أولوياتها الكبرى، خاصة في ظل صعود الصين وتحول مركز الثقل العالمي نحو آسيا. لذلك بدا الموقف الأمريكي وكأنه يمنح هامش حركة واسعًا لحلفائه، مقابل خطوط حمراء تمنع توسع المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة، في مقاربة تحكمها كلفة التدخل وحدود العائد الاستراتيجي.
إيران بدورها تظل عقدة مركزية في هذا المشهد. السياسة الأمريكية تجاه طهران لم تكن يومًا سياسة إسقاط مباشر، بل إدارة قوة إقليمية مزعجة دون السماح لها بالتحول إلى قوة مهيمنة. العقوبات، الضغوط، الرسائل العسكرية غير المباشرة، وترك هامش حركة محسوب، كلها أدوات ضمن معادلة دقيقة تقوم على الإنهاك دون التفجير، والردع دون حرب شاملة. ما يُقرأ أحيانًا كتردد، هو في العمق حساب بارد لتفادي مواجهة كبرى لا تخدم لحظة التحول العالمي.
أما الخليج، فقد انتقل في العقل الأمريكي من كونه فضاء حماية مطلقة إلى ساحة شراكة مشروطة. لم تعد واشنطن مستعدة لتحمّل كلفة الأمن وحدها، بل دفعت نحو إعادة توزيع الأدوار، وتحميل الحلفاء مسؤولية أكبر في تأمين الإقليم، في إطار تصور يعتبر أن الشرق الأوسط لم يعد أولوية مطلقة، بل ملفًا يجب تحييده بأقل كلفة ممكنة. وفي اليمن، تجلّى هذا المنطق بوضوح أكبر، حيث لم يعد النزاع يُدار بمنطق الحسم، بل بمنطق الاحتواء، ليس بدافع إنساني فقط، بل لأن استمرار الحرب يهدد خطوط الملاحة الدولية ويفتح المجال أمام قوى منافسة لملء الفراغ.
هذه الجبهات مجتمعة تكشف حقيقة أساسية: الولايات المتحدة لا تنسحب من العالم، بل تعيد توزيع حضورها. ما يبدو تراجعًا هو في الواقع انتقال من التدخل العسكري المباشر إلى إدارة التوازنات، ومن الهيمنة الخشنة إلى النفوذ الذكي. ترامب لم يخترع هذا المسار، لكنه عبّر عنه بلا مواربة، كاسرًا لغة التجميل التي طبعت المراحل السابقة.
في هذا المناخ، تتراجع فعالية المؤسسات الدولية التقليدية، وعلى رأسها مجلس الأمن، وتبرز أطر أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع الواقع الجديد، من بينها مجالس السلم والسلام. هذه الآليات لا تُطرح كبدائل قانونية، بل كأدوات عملية تنسجم مع عالم لم يعد يحتمل قرارات مؤجلة ونزاعات مجمّدة. السلام لم يعد قرارًا يُفرض، بل توازنًا يُدار عبر فهم السياقات المحلية والدبلوماسية الوقائية.
ضمن هذا التحول، يبرز الدور المغربي كنموذج لبراغماتية واعية قرأت مبكرًا اتجاه الرياح الدولية. المغرب لم يراهن على الانتظار داخل مسارات فقدت فعاليتها، بل انخرط بذكاء في آليات أكثر حركية، وجعل من مجلس السلم والسلام منصة استراتيجية للتأثير الإقليمي، لا فضاء بروتوكوليًا. من خلال هذا التموقع، قدّم نفسه كفاعل استقرار، وبنى شبكة شراكات متعددة، ونجح في تثبيت موقعه داخل معادلة دولية جديدة قوامها المرونة والتكيّف، فالمغرب حافظ على الصدارة في هذه المعادلة فكيف لا وهو أول دولة اعترفت  بأمريكا؟
ما يحدث اليوم ليس فوضى ولا نزوة رئيس، بل إعادة ترتيب قاسية لنظام دولي يتآكل. وأمريكا، كما فعلت دائمًا، لا تواجه التحول بالإنكار، بل بمحاولة التحكم في م . وأمريكا، كما فعلت دائمًا، لا تواجه التحول بالإنكار، بل بمحاولة التحكم في مساره وتأجيل كلفه. أما من يقرأ هذه التحولات بعين العاطفة أو بمنطق عالم لم يعد قائمًا، فسيظل أسير أوهام مرحلة انتهت، في زمن لم يعد يعترف إلا بالفاعلية وموازين القوة الحقيقي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.