الگارح ابوسالم
اثير الكثير من النقاش حول الحضور الجماهيري في بعض مباريات الدور الأول من كأس أمم إفريقيا، وغالبًا ما جرى اختزال هذا الجدل في تفسيرات جاهزة من قبيل “العزوف” أو “التغييب”. غير أن قراءة أكثر هدوءًا وموضوعية تكشف أن المشهد أعقد من ذلك، وأن الحكم عليه بمعزل عن سياقه الطبيعي يفتقد للدقة.
أول ما يجب استحضاره هو عامل الطقس. فقد أُقيمت عدة مباريات في أجواء مطرية غير مشجعة على التنقل والحضور، خاصة حين يتعلق الأمر بمواجهات لا تحمل طابع الحسم أو الإثارة الكبرى. الطقس، هنا، ليس مجرد تفصيل عابر، بل عنصر حاسم في سلوك الجماهير، ولا يمكن القفز عليه عند تحليل نسب الحضور.
العامل الثاني يرتبط بخيارات الجهة المنظمة، التي اختارت ترك الحضور الجماهيري في طابعه التلقائي، دون تعبئة مصطنعة أو توجيه موجه للاستهلاك الإعلامي، كما يحدث أحيانًا لملء المدرجات من أجل الصورة فقط. خيار قد لا يرضي من يبحث عن مشاهد جاهزة، لكنه يحترم منطق التظاهرة ومسارها الطبيعي.
عشب ملعب الأمير مولاي عبّد الله بمواصفات عالمية من الجيل الخامس
ثم تأتي طبيعة المنافسة نفسها. فمباريات الدور الأول، خاصة تلك التي تجمع منتخبات لا تحظى بمتابعة جماهيرية واسعة، لا يمكن مقارنتها بمباريات الأدوار المتقدمة. هذا واقع عاشته حتى كأس العالم في أوروبا، حيث عرفت بعض المباريات حضورًا متواضعًا تبعًا لهوية المنتخبات، رغم تقارب المسافات وسهولة التنقل بين الدول.
وفي إفريقيا، تزداد هذه الخصوصية وضوحًا. فالمسافات شاسعة، والتكاليف مرتفعة، ما يجعل من الصعب رؤية جمهور قوي لكل منتخب في كل مباراة، باستثناء الحضور النسبي لجماهير بعض دول شمال إفريقيا. وهو معطى بنيوي لا علاقة له بجودة التنظيم أو قيمة الحدث.
يضاف إلى ذلك خيار الدخول المجاني، الذي وإن بدا في ظاهره محفزًا، إلا أنه يطرح تساؤلات حول جدوى التظاهرة وقيمتها الرمزية. فحين تُفتح الملاعب دون مقابل، تصبح منشآت كلفت استثمارات مالية وتقنية ضخمة متاحة دون أن يشعر المتلقي بقيمتها، بينما تظل التذكرة في التجارب الكبرى جزءًا من احترام الحدث وليس مجرد وسيلة للربح.
وسط هذا الجدل كله، يكاد يغيب النقاش الأهم: مستوى الملاعب وأرضياتها. ففي الوقت الذي انشغل فيه البعض بعدّ المقاعد الفارغة، كانت أرضية الملاعب المغربية تخوض اختبارًا حقيقيًا أمام تساقطات مطرية غزيرة. والنتيجة كانت لافتة: لا برك مياه، لا توقف مباريات، لا تراجع في جودة اللعب. العشب صمد، والملاعب أدت وظيفتها في صمت.

ومع تحسن الأحوال الجوية والدخول في الأدوار الإقصائية، من الطبيعي أن يرتفع منسوب الحضور الجماهيري، كما جرت العادة في كل البطولات الكبرى. لكن الأهم أن لا يُنسينا هذا الجدل حقيقة أساسية: البطولة تُقاس بمدى جاهزية بنيتها التحتية، وبقدرتها على
الصمود في أصعب الظروف, في هذه الزاوية تحديدًا، قال العشب كلمته… دون حاجة إلى تصفيق أو كراطة..

